ليس ثمة شيء أكثر تضليلًا من مصطلح «وقف الحرب» حين لا يتوقف القتل. فمنذ الإعلان عمّا سُمّي بالتهدئة، لم تدخل القضية الفلسطينية مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة إدارة الموت بهدوء. الأرقام وحدها تكشف الزيف: أكثر من 200 طفل غزّي قُتلوا خلال فترة يُفترض أنها وقف لإطلاق النار، من بينهم سبعة أطفال قضوا جوعًا وبردًا، فيما تجاوز عدد الضحايا 400 قتيل. أيّ وقفٍ هذا الذي يواصل حصد الأرواح، لكن من دون ضجيج القصف المكثف؟
ما يحدث ليس خرقًا عابرًا للتهدئة، بل تحوّلًا في شكل العنف. فحين تخفّ الصواريخ، تتقدّم المجاعة، ويُترك المدنيون، والأطفال تحديدًا، لمواجهة البرد ونقص الدواء والغذاء. هنا لا يعود القتل فعلًا عسكريًا مباشرًا، بل نتيجة محسوبة لسياسات حصار وتجويع، لا تقل فتكًا عن القنابل.
وفي الضفة الغربية، تتكامل الصورة. طفل فلسطيني في التاسعة من عمره يُعتقل على يد سبعة جنود، من أمام معلمته داخل المدرسة. ما عساه فعل في هذا العمر؟ لا حرب هناك، ولا صواريخ، ولا ذريعة ميدانية طارئة. هناك فقط احتلال يمارس سلطته العارية على الطفولة نفسها. غزة تُقتل بالنار والجوع، والضفة تُستنزف بالاقتحام والاعتقال. الجغرافيا تختلف، لكن السياسة واحدة.
والمفارقة الأكثر فجاجة أن هذا الواقع يتزامن مع تولّي جهةٍ رئاسة مجلس يُفترض أنه معنيّ بالسلام والأمن الدوليين، من دون أن تقدّم، حتى الآن، أية مبادرة جدّية توقف القتل أو تحمي المدنيين. جهة تمارس نفوذها حين تشاء: تختطف رؤساء دول، وتُهدد أنظمة، وتستولي على خيرات الشعوب، وتفرض التغييرات السياسية والجغرافية بالقوة أو بالعقوبات، لكنها تبدو عاجزة — أو غير راغبة — في استخدام الحد الأدنى من هذا النفوذ لوقف قتل الأطفال الفلسطينيين. هنا لا يعود العجز تقنيًا، بل يتحول إلى اختيار سياسي، يكشف أن مفهوم «السلام» في النظام الدولي يُستخدم انتقائيًا، لا كقيمة إنسانية شاملة.
في هذا السياق، تزداد خطورة القرارات الأمريكية المتفردة، خاصة مع عودة خطاب شبيه بنهج دونالد ترامب، القائم على فرض الوقائع بدل التفاوض. التجربة السابقة أثبتت أن هذا النهج لا يسعى إلى حل الصراع، بل إلى إعادة تعريفه: من قضية احتلال وحقوق، إلى ملف إنساني–أمني يُدار بالمساعدات والضبط، لا بالعدالة.
الاستشراف هنا قاتم، لكنه ضروري. فإذا استمر هذا المسار، فإن «وقف الحرب» قد يتحول إلى غطاء سياسي لتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا وبهدوء، من دون ضجيج المعارك الكبرى.
وقد يبرز احتمال آخر، يتمثل في أن هذا الانفصام الصارخ بين الخطاب والواقع قد يؤدي إلى صدمة دولية معاكسة، تُجبر العالم على الاعتراف بأن ما يجري ليس أزمة إنسانية عابرة، بل جريمة سياسية مستمرة.
القضية الفلسطينية اليوم لا تواجه خطر النسيان، بل خطر التطبيع مع موتها البطيء. والسؤال الحقيقي لم يعد: متى تتوقف الحرب؟ بل:
كم طفلًا يجب أن يُقتل بعد «وقف الحرب» كي يعترف العالم أن الحرب لم تتوقف أصلًا؟
