مقدمة
يشكّل العنف ضد النساء أحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها انتشارًا في العالم. وبرغم التقدم التشريعي والمؤسساتي، ما زالت ملايين النساء يتعرضن يوميًا للعنف الجسدي والجنسي والنفسي والاقتصادي، سواء داخل الأسرة أو في المجال العام أو حتى في أماكن العمل.
يصف المجتمع الدولي العنف ضد المرأة بأنه “انتهاك للكرامة الإنسانية وعرقلة للتنمية”، وهذه المبادئ، هو ما تكرّسها المواثيق الدولية وفي مقدمتها اتفاقية “سيداو” التي صادقت عليها كثير من الدول ودعمتها إعلانات الأمم المتحدة المختلفة.
أولًا: الوضع الدولي للعنف ضد النساء
1. أرقام وحقائق
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تعرض واحدة من كل ثلاث نساء في العالم خلال حياتها لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي.
جرائم قتل النساء (القتل القائم على النوع) ارتفعت بنسبة ملحوظة، خصوصًا في إطار العلاقة الأسرية.
العنف الرقمي بات نمطًا جديدًا يهدد النساء والفتيات عبر الابتزاز، المراقبة، وخطاب الكراهية.
2. الاعتراف الدولي بالمشكلة
المجتمع الدولي يعترف بأن العنف ضد النساء ليس شأنًا خاصًا أو تكريسا ثقافيًا معينا، بل هو قضية حقوق إنسان تتطلب:
تشريعات رادعة.
سياسات وقائية.
تغييرًات ثقافيًة وتربويًة طويلة الأمد.
توفير حماية اجتماعية وملاجئ آمنة وخدمات دعم متواصلة
ثانيًا: العنف ضد النساء في الجزائر – الواقع والتحديات
1. الإطار القانوني
حققت الجزائر تقدمًا مهمًا خلال العقد الماضي، ومن أبرز هذا التقدم، الخطوات التالية:
تعديل قانون العقوبات 2015 الذي جرّم العنف المنزلي، الاقتصادي للسيطرة على أموال المرأة أو على مدخولها الشهري والتحرش الجنسي، وكذا الاعتداءات العنيفة ضد الزوجة.
تجريم بعض الأفعال مثل الضرب المبرح، الإكراه، التهديد، والطرد من المنزل.
استحداث مواد تتيح تشديد العقوبة إذا كان العنف متكررًا أو أدى إلى عاهة.
بالإضافة إلى القوانين الجديدة في سنة 2020 التي دعمت آلية التبليغ والحماية، لكن رغم ذلك، ما تزال مجموعة من التحديات تحدّ من فعالية التطبيق كاستمرار:
التنازل عن الشكاوى بسبب الضغوط الاسرية والاجتماعية والاعتماد الاقتصادي.
صعوبات الإثبات، خصوصًا في حالات العنف النفسي والاقتصادي.
نظرة المجتمع التقليدية التي تعتبر العنف “شأنًا عائليًا”.
2. المعطيات الميدانية
سجّلت المنظمات الحقوقية الجزائرية ارتفاعًا في حالات العنف، وخاصة ما تعلق بـ:
جرائم قتل النساء (الفيمينيسيد) التي أثارت ضجة وطنية وأطلقت حملات مثل “لن نسكت”.
تزايد العنف السيبراني ضد الطالبات والمراهقات.
ارتفاع نسب العنف الاقتصادي، مثل منع العمل، حجز الوثائق، أو التحكم في الدخل.
3. العوامل المؤثرة
العوامل الثقافية: استمرار تأثير الذهنيات التي تبرر السيطرة الذكورية.
العوامل الاقتصادية: تأخر الأدوات الحمائية التي تمكّن المرأة من الاستقلال المالي.
العوامل القانونية: الحاجة إلى حماية أكثر شمولًا (مثل أوامر عدم الاقتراب).
العوامل الإعلامية: ضعف التغطية المهنية للظاهرة، وانتماء بعض الإعلاميين للعقلية الذكورية نفسها.
ثالثًا: ما الذي تحتاجه الجزائر اليوم؟
1. تعزيز التشريعات
إضافة آليات الحماية الفورية للنساء المهددات.
تجريم العنف الاقتصادي بشكل أكثر صرامة.
اعتماد تعريف قانوني واضح لجرائم قتل النساء.
2. دعم الحماية والتكفل
توسيع شبكة مراكز الإيواء الحكومية والجمعوية.
توفير خطوط مساعدة فعالة تعمل على مدار الساعة.
تدريب الشرطة والنيابة والأطباء على التعامل مع الضحايا.
تثبيت اقتراح “الشباك الموحد” المقترح من الجمعيات النسائية لتسهيل عملية التكفل.
3. تغيير الثقافة المجتمعية
تنشيط حملات وطنية مستمرة، لا موسمية.
إدماج التربية على المساواة ومحاربة العنف في المدارس.
إعطاء دور أكبر للإعلام، رجال الدين، والفاعلين المدنيين.
ثالثًا: العنف السياسي ضد النساء – البعد الغائب في النقاش
1. تعريف العنف السياسي ضد النساء؟
اتفق المختصون على تعريف العنف السياسي ضد النساء، على كونه كل فعل أو تهديد أو ضغط يُمارَس ضد النساء بهدف ويمكن تلخيصه في:
إقصاء النساء من المشاركة السياسية.
التأثير على خياراتهن الانتخابية.
منعهن من الترشح أو التعبير.
معاقبتهن بسبب مواقفهن السياسية أو نشاطهن المدني.
منعهن من الظهور الكامل عبر جداريات الإعلانات أو الصور أو الوسائل الإعلامية المختلفة. وهو ما يتطلب سياسة حكومية لمحاربة تلك الأفعال غير القانونية، مع تجريم كل الممارسات المعيقة لهن كالاعتداء الجسدي، التشهير، المضايقات عبر الإنترنت، التهديدات المباشرة، والعنف القانوني عبر استغلال المؤسسات لإسكاتهن.
2. عالميًا: النساء بين المشاركة والخطر
تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن النساء اللائي يظهرن في الفضاء السياسي أكثر عرضة للعنف بنسبة تتراوح بين 70% و80% مقارنة بالرجال في السياقات نفسها، فقد تعرضت كثير من النساء الناشطات في مناطق النزاعات، مثل فلسطين وأفغانستان والسودان، لعنف مضاعف: سياسي + جنسي + جسدي + نفسي.
كما أن خطاب الكراهية والتشهير ضد النساء السياسيات عبر الإنترنت أصبح من أكبر أسباب انسحابهن من الحياة السياسية، حيث تعرّضت نائبات وبرلمانيات لهجمات منظمة بسبب آرائهن في الأماكن العامة.
3. الحالة الجزائرية: بين الإرادة الرسمية والواقع الميداني
أشكال العنف السياسي الموجودة
قطعت الجزائر خطوات مهمة في مجال العمل السياسي كاعتماد نظام الحصة (الكوتا) سابقًا ودعم مشاركة المرأة في المؤسسات السياسية والإدارية، بدسترة المناصفة بين الجنسين، لكن يبقى: التشهير الإلكتروني عبر منصات التواصل لكل سيدة تعبر عن رأي جريء أو انتقاد حر.
التضييق المجتمعي: تحميل المرأة ثمن مواقفها السياسية أكثر من الرجل (كأن يقال لا يليق بالمرأة أن…“، “المرأة لازم تبقى بعيدة عن السياسة…”)، السياسة للرجال.. إلخ…؟
الضغط النفسي: بالتركيز على المترشحات للانسحاب من القوائم الانتخابية لزملائهن، سواء من داخل الأحزاب أو من البيئة الاجتماعية، أو حتى من المحيط العائلي.
التهميش داخل المؤسسات: صعوبات الوصول إلى مواقع القرار، وقلة التأثير داخل الحزب أو داخل النقابات.
السياقات الأمنية والسياسية الأوسع
المرأة الجزائرية دفعت ثمنًا كبيرًا خلال التسعينيات (“العشرية السوداء”) حيث كانت:
هدفًا للعنف المسلح بسبب لباسها أو نشاطها،
أو ضحية للاغتصاب كسلاح حرب غير معلَن،
أو شاهدة على فقدان المعيل بسبب العنف المسلح.
وهذا الإرث لا يزال يؤثر على حضورها العام حتى اليوم، رغم كل التطورات التي عرفتها، ورغم تميزها البارز في مستوى التعليم من حيث التصنيف ومن حيث الأرقام التي حققتها في جميع التخصصات البحثية والعلمية.
4. النساء كضحايا للسياسات العمومية نفسها
لا يمارس العنف السياسي فقط من الفاعلين السياسيين، بل قد يتخذ أشكالًا أخرى مثل:
سياسات غير منصفة تعاقب المرأة اقتصاديًا، خصوصًا المعيلات.
إجراءات قانونية بطيئة تحرمها من الحماية الفورية في حالات العنف.
خطابات رسمية أحيانًا تُظهر المرأة كعنصر تابع، لا كمواطنة كاملة الحقوق.
5. لماذا من المهم إدراج هذا المحور في عملية محاربة العنف ككل…؟
لأن العنف السياسي يكشف لنا بأنه ليس فقط ظاهرة اجتماعية، بل هو ظاهرة هيكلية؛ ترتبط بالسلطة، والنفوذ، وصناعة القرار المجتمعي والسياسي فإسكات المرأة سياسيًا يعني:
إضعاف الديمقراطية،
تعطيل التنمية،
استمرار دائرة العنف في المجالات الكثيرة الأخرى.
كيفية محاربة ظاهرة العنف السياسي:
تشريعات تضمن الحماية للمشارِكات في الشأن العام،
ميثاقًا وطنيًا ضد خطاب الكراهية،
دعمًا إعلاميًا ينصف النساء في الحياة السياسية،
بيئة حزبية ومؤسساتية تحترم المساواة.
بدون هذه الركائز، تبقى مشاركة المرأة شكلية، مهما كان عدد المقاعد أو الشعارات المعلنة. ويبقى العمل السياسي في العالم كما في الجزائر، لا تتوقف فيه معاناة النساء عند حدود العنف الأسري أو الاقتصادي أو الجسدي. بل هناك بُعد آخر، غالبًا ما يعتبر أقل تداولًا، لكنه ذو تأثير كبير: فالعنف السياسي ضد النساء، والذي يقصد به كل محاولات إقصاء، تهميش، تضييق أو تهديد تستهدف النساء بسبب مشاركتهن في الفضاء العام، نشاطهن السياسي، أو حتى مجرد التعبير عن رأي. هذا البعد، مع أوجه العنف “الكلاسيكية” يشكّل تحدّيًا مزدوجًا لحقوق المرأة والمجتمع ككل.
لماذا يجب أن نهتم بالعنف السياسي ضد النساء؟
لأن إقصاء المرأة من السياسة يعني تكريس هيمنة الذهنية الذكورية في صنع القرار.
والمشاركة الفعّالة للمرأة هي مفتاح لمجتمع أكثر عدالة وتوازنا، خصوصًا في القضايا التي تمس النساء ذاتهن (حقوق الأسرة، العنف، التمثيل …).
لأن تجاهل العنف السياسي الممارس ضد النساء، يقلّل من قدرة المجتمع على التغيير الحقيقي، ويُبقِي النساء عرضة للمزيد من أشكال العنف، داخل المنزل وخارجه، ويحرم المجتمع من طاقة وقدرات أكثر من نصفه الحيوي
توصيات أنطلق منها لدعوة للنقاش المجتمعي الإيجابي والذي أحصره في:
إعادة النظر في القوانين الانتخابية: ليس فقط بحصة أو مناصفة، لكن بضمان نتائج فعلية ومتكافئة.
ضمان حماية قانونية ونفسية للنساء السياسيات والنشطات: مراكز دعم، تشريعات ضد التشهير والتحرش السياسي، حماية من التهديد.
نشر ثقافة المساواة والمشاركة السياسية للمرأة: عبر الإعلام، التربية، الفضاء المدني.
تشجيع المرأة على المشاركة الفعلية في صنع القرار، وليس فقط التمثيل الرمزي.
خاتمة:
لقد حاولت في مقالي هذا أن أرسم صورة شاملة للعنف ضد النساء في الجزائر، ليس فقط كعنف أسري أو اجتماعي، بل كعنف بنيوي يُمارَس من خلال الإقصاء السياسي والمجتمعي. كما حاولت توضيح إن ضمان حقوق المرأة لا يقتصر على تشريعات أو مقاعد، بل على احترام كرامتها، وحريتها في التعبير، وحقّها في المشاركة الفعلية في بناء الوطن. خاصة وأن العنف ضد النساء لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو مؤشرعلى مدى احترام المجتمع لإنسانيته وقيمه. والجزائر قد خطت خطوات مهمة، لكنها ما تزال بحاجة إلى رؤية شاملة تجمع بين القانون، الوقاية، والوعي.
الحلّ يبدأ من الاعتراف بأن حماية المرأة ليست قضية نسوية فقط، بل قضية مجتمع بأكمله.
المرأة الجزائرية بين المكتسبات والتحديات
هذه بعض المراجع الهامة التي قد تفيد القارئ عند مناقشة ظاهرة العنف ضد النساء وخاصة في مجال التمكين القانوني والتمثيل السياسي للمرأة في الجزائر:
بداية، لا يمكن إنكار أن الجزائر قطعت — تشريعيًا ومؤسساتيًا — خطوات مهمّة لتحسين مشاركة المرأة في الحياة العامة. ASJP+2ASJP+2
انتقلت البلاد من الاستخدام الحصري لـ“نظام الكوتا” إلى مبدأ “المناصفة والمساواة بين الرجال والنساء” في القوائم الانتخابية. ASJP+1
المؤسسات الرسمية ترى أن “تمكين المرأة من مواقع صنع القرار” أصبح “التزامًا ومكسبًا دستوريًا” وهو ما أُكد في تصريحات أخيرة لمكتب مجلس الأمة. الإذاعة الجزائرية+1
لكن وعلى الرغم من هذه المكاسب القانونية، تبقى مشاركة المرأة ضعيفة في العمق:
بحسب بيانات 2024، النساء يشكلن فقط نحو 7.9% من مقاعد البرلمان في الجزائر. data.unwomen.org
العديد من الدراسات تشير إلى أن المرأة تواجه صعوبات في بلوغ مراكز القرار الفعلية، بسبب مزيج من عوامل: اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، وربما سياسية. ASJP+2algeria.fes.de+2
حتى عند ترشحها، غالبًا ما تكون فرصها الفعلية ضئيلة مقارنة برجل بنفس الشروط — ما يعكس مقاومة ضمنية من ذهنية مجتمعية ومؤسسات تُفضل الرجل في القيادة. jinhaagency1.com+2algeria.fes.de+2
العنف ضد النساء في الجزائر: أرقام من الواقع
بعيدًا عن السياسة، الواقع يؤلم:
دراسة حديثة شملت عدة ولايات جزائرية قالت إن من بين النساء ضحايا العنف، 33% أعمارهن بين 25 و 34 سنة. english.aawsat.com
الزوج يُعد المعتدي في حوالي 55% من الحالات، بينما يشكّل العنف الجسدي الشكل الغالب (98% من الحالات المسجّلة). english.aawsat.com
رغم وجود قوانين ضد العنف الأسري والتحرش، كثير من الضحايا لا يبلّغن عن معاناتهن، بسبب الضغوط العائلية أو الخوف أو غياب الدعم النفسي أو القانوني. english.aawsat.com+1
هذه الإحصائيات تؤكد أن العنف ضد النساء — حتى في 2020s — ما زال ظاهرة شائعة، لا تُختزل في حالات “نادرة”.
العنف السياسي ضد النساء: البعد المُهمّ والمُهمَّش
لكن التحدّي الحقيقي قد يكون في العنف السياسي ضد النساء، والذي يأخذ أشكالًا متعددة:
نساء يتعرضن لـ تشويه سمعة أو تعنيف إعلامي / إلكتروني إذا عبّرن عن رأي سياسي مختلف.
ضغوط اجتماعية قوية على المرأة المشاركة في السياسة: من “الوصمة” إلى “الرفض المجتمعي” لم يكن في مصلحة المرأة أن تتجاوز الدور التقليدي. في كثير من الأحيان، تُعتبر “قيادة المرأة” غير مناسبة بحسب الذهنية السائدة. jinhaagency1.com+2algeria.fes.de+2
حتى عندما تشارك المرأة في الانتخابات أو نشاط حزبي، غالبًا لا تُمنح نفس الفرص الحقيقية للوصول لمراكز القرار، أو تُترك في مواقع ذات رمزية أكثر من تأثير. ASJP+2ASJP+2
في سياق ضيق الحريات السياسية، وتراجع المساحة المدنية كما أشار تقرير Human Rights Watch عن الجزائر 2024–2025، فإن العبء يقع بشكل مضاعف على النساء الناشطات — ما يجعل العنف السياسي ضدهن أكثر قسوة وخطورة. Human Rights Watch+1
