شهدت المحكمة العليا بالجزائر العاصمة، يوم الخميس، انتخاب السيدة ماية فاضل ساحلي رئيسةً لـ المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الجزائر، وذلك بتزكية من أغلبية أعضاء المجلس، خلفًا للرئيس المنتهية عهدته عبد المجيد زعلاني.
وجرى انتخاب الرئيسة الجديدة خلال جلسة رسمية ترأسها الرئيس الأول للمحكمة العليا الطاهر ماموني، بحضور عدد من كبار المسؤولين في الدولة، من بينهم رئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، ووزير العدل حافظ الأختام لطفي بوجمعة، إلى جانب ممثل عن رئاسة الجمهورية أحمد زروق، ورئيس مجلس الدولة محمد بن ناصر، والنائب العام لدى المحكمة العليا عبد الرحيم مجيد، ومحافظ الدولة لدى مجلس الدولة عبد الغفور كحول، إضافة إلى أعضاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
وعقب انتهاء عملية الانتخاب، عقد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أولى جلساته برئاسة الرئيسة الجديدة، في خطوة ينتظر أن تعيد الحيوية إلى نشاط الهيئة ودورها في متابعة قضايا الحقوق والحريات.
هيئة دستورية لحماية الحقوق
يُعد المجلس الوطني لحقوق الإنسان هيئة دستورية مستقلة أُنشئت بموجب المادة 201 من الدستور الجزائري، وتتمثل مهامه الأساسية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومراقبة مدى احترامها، إلى جانب نشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع وتقديم المقترحات والتوصيات للسلطات العمومية.
وقد برزت هذه الهيئة في المشهد العام خلال فترة رئاسة بوزيد لزهاري، حيث كانت مواقفه وتصريحاته حول واقع حقوق الإنسان في الجزائر تثير نقاشًا واسعًا، خاصة في ظل تصاعد الاعتقالات التي طالت ناشطين سياسيين خلال الحراك الشعبي الجزائري 2019. غير أن حضور المجلس تراجع في السنوات الأخيرة مع قلة ظهور رئيسه المنتهية عهدته عبد المجيد زعلاني في الساحة الإعلامية.
بين الاستقلالية والارتباط بالمؤسسات
ويطرح انتخاب الرئيسة الجديدة تساؤلات حول مدى قدرة المجلس على تعزيز استقلاليته الفعلية، خاصة بعد أن تم فصله قانونيًا عن رئاسة الجمهورية ومنحه صفة هيئة دستورية.
وكان المجلس قد أُنشئ ليحل محل اللجنة الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان التي كان يرأسها المحامي فاروق قسنطيني، وكانت تلك اللجنة تابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية. وقد تعرض هذا الوضع سابقًا لانتقادات من هيئات دولية، ما دفع السلطات الجزائرية إلى تعديل الإطار القانوني للهيئة ومنحها طابعًا دستوريًا بهدف تحقيق توازن بين متطلبات الاستقلالية وفق المعايير الدولية، والحاجة إلى وجود هيئة رسمية تعنى بملف حقوق الإنسان.
مسار أكاديمي ودولي
وتحمل الرئيسة الجديدة ماية ساحلي فاضل مسارًا أكاديميًا ومهنيًا حافلًا في مجال القانون وحقوق الإنسان. فقد شغلت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي منصب أستاذة للقانون في جامعة الجزائر، كما درّست في المعهد الدبلوماسي للعلاقات الدولية والمدرسة الوطنية للقضاة.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1987 و1994 مارست مهنة المحاماة في الجزائر العاصمة، وهو ما أتاح لها الجمع بين العمل الأكاديمي والممارسة المهنية واكتساب خبرة عملية في القانونين الوطني والدولي.
كما بدأت نشاطها في اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب سنة 2011، حيث شغلت منصب المقررة الخاصة لدى الاتحاد الإفريقي المعنية باللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين والنازحين داخليًا. وشاركت كذلك في الفريق الإفريقي المعني بعقوبة الإعدام، إضافة إلى الفريق المختص بمتابعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وعلى الصعيد الدولي، شاركت في فريق الخبراء التابع لـ الأمم المتحدة المعني بالأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي بين عامي 2008 و2014، كما أسهمت في أعمال فريق تحقيق أممي حول أوضاع حقوق الإنسان في بوروندي.
ويُنتظر أن تسهم هذه الخبرة الأكاديمية والدولية في تعزيز دور المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بحماية الحقوق والحريات وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع.