في منتصف نوفمبر 2025، تناقلت وسائل الإعلام خبرًا لافتًا: فالسلطات الجزائرية أطلقت سراح الكاتب “بوعلام صنصال” بعد عام من سجنه، إثر عفو رئاسي “لدواعٍ إنسانية”.
الحدث لم يمرّ مرور الكرام، بل تجاوز طابعه الإنساني إلى أبعادٍ سياسية وثقافية عميقة، لاسيما أن صنصال يُعد من أكثر الكتّاب الجزائريين إثارةً للجدل، بسبب مواقفه الجريئة تجاه النظام السياسي، وتجاه رؤيته الصادمة للهوية وللدين وللسياسة الوطنية ككل. العفو عنه لم يُقرأ بوصفه تسوية قضائية، بل كرسالة متعددة الاتجاهات للنخبة الثقافية، وللخارج الأوروبي الذي تابع قضيته، وللداخل الجزائري الذي يعيش علاقـــــــــــــة معقّدة مع المثقف الحر .
من الكتابة إلى الاعتقال:
في نوفمبر 2024، تم توقيف صنصال في مطار الجزائر عقب تصريحات تطرّق فيها إلى مسألة الحدود الجزائرية المغربية وانتقد ما وصفـــــــــه آنذاك بـ”الانغلاق السياسي”.
النيابة العامة: وجّهت له تهمًا تتعلّق بـ“المساس بوحدة الوطن” و“إهانة هيئة نظامية”، وهي تهم تُستخدم عادة ضد الأصوات الناقدة بشدة للنظام السياسي أو لمنظومة الهوية الوطنية.
في مارس 2025، صدر بحقه حكم بالسجن لخمس سنوات، ما أثار استياءً داخل الأوساط الثقافية المحلية والدولية، خصوصًا في فرنسا وألمانيا اللتين تابعتا ملفه عن قرب.
لحظة العفو وما وراءها:
في 12 نوفمبر 2025، أعلنت الرئاسة الجزائرية عفوًا رئاسيًا عن صنصال “لدواعٍ إنسانية”، بتدخل من الرئيس الألماني، فتوافق الجزائر، لينقل فورا إلى ألمانيا لتلقي العلاج بعد تدهور حالته الصحية.
لكن توقيت القرار وصياغته الرسمية وترتيب خروجه إلى الخارج جعلت كثيرين يقرؤون العفو باعتباره قرارًا سياسيًا ذا حسابات دقيقة، أكثر منه استجابةً إنسانية خالصة.
انقسام الآراء الوطنية:
فئة رأت العفو خطوة إيجابية تعبّر عن نُضج مؤسساتي واحترام للرموز الثقافية.
وأخرى اعتبرته “مكافأة لكاتب لم يحترم وطنه”أو “استثناءً يكرّس التفاوت في التعامل مع مساجين الرأي الأقل شهرة”.
وإذا ما حللنا الأبعاد المطروحة علينا من هذا العفو نجد:
البعد الثقافي:
يُعيد إطلاق صنصال طرح السؤال حول مكانة المثقف في الجزائر: هل سيُسمح له بقول ما يريد مستقبلا أم سيُحدَّد له “مقدار الحرية”؟
فالعفو لم يُنهِ الإشكال، بل أضاء على تناقض عميق بين دولة تريد أن تظهر منفتحة على الخارج، وواقع داخلي يضيّق على الأصوات الناقدة.
كما يظهر أن الثقافة ما تزال ميدانًا سياسيًا، وأن الكاتب في الجزائر ليس مجرد صانع أدب بل فاعل في معادلات الشرعية والرمزية.
البعد السياسي:
يأتي قرار العفو، في سياق علاقات جزائرية-أوروبية جد حساسة، فألمانيا حيث يحظى صنصال بتقدير كبير، لعبت دورًا حاسمًا في المفاوضات غير المعلنة التي سبقت العفو.
ومن ثَمّ، يمكن قراءة الخطوة كرسالة تهدئة دبلوماسية، خصوصًا مع التوترات الواضحة مع فرنسا حول ملفات حساسة كملف الذاكرة الـــــــــــذي انغمست فيه الجزائر بشكل قوي، وكذا ملف التعاون الأمني والاقتصادي لذا فالسلطة الجزائرية بدت وكأنها تريد أن تقول: “نملك القرار ونتحكم في التوقيت”، في موازنة بين الصرامة والسيادة والانفتاح الخارجي.
البعد الحقوقي والإنساني:
من الناحية الحقوقية، يشكّل إطلاق صنصال، اختيارا جديدا لملف حرية الرأي والتعبير في الجزائر.
فإن كان “العفو” مبرّرًا بدواعٍ إنسانية، فإن استمرار حبس بقية الناشطين الآخرين يطرح تساؤلات حول معايير الانتقائية في تطبيق العدالة.
وبذلك يصبح صنصال حالة رمزية: فهو ليس مجرد كاتب خرج من السجن، بل مرآة تعكس التناقض بين خطاب الدولة وصورتها الحقوقيــــــــــــــة المسوقة في الخارج.
الدلالة الرمزية:
يبقى السؤال الجوهري: هل يمثل العفو عن صنصال انفتاحًا حقيقيًا أم
مجرد “استراحة تكتيكية”من جانب السلطة السياسية في البلاد؟
ربما هو كِلاهما: انفتاح محسوب ورسالة مزدوجة، داخليًا وخارجيًا، تعد بأن الجزائر اليوم تملك القدرة على التسامح من موقع القوة.
أما من جهة صنصال، فالعفو يُعيد إليه صوته الأدبي، لكنه يضعه أيضًا أمام تحدي الموقف: هل سيختار الصمت هذه المرة ويقدر هذه الإشارة،أم أنه سيواصل الكتابة بنفس التحدي وبنفس الجرأة القديمة؟
الحرية والوطن… سؤال المثقف الجزائري:
فالحرية عندما تطرح للنقاش عند المثقف الجزائري، هي ليست امتيازا شخصيًا، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة والمجتمـــع.. وللوطـــن على مثقفيه حقوق لا تقل قداسة عن حرية التعبير، أبرزها الأمانة في الخطاب واحترام الذاكرة الجماعية.
فحين يُسرف المثقف في نقد وطنه دون وعي بتوازن الانتماء، يتحوّل صوته من أداة تنويرية إلى مرآة للانفصال الرمزي، فالمثقف الحقيقي هو من ينقد من الداخل لا من الخارج فحسب، ويجعل من الكلمة جسرًا بين الوطن والمواطن، لا خندقًا بينهما.
فالحرية التي تفقد حسّ المسؤولية الوطنية، تتحوّل إلى حرية بلا ضمير،
والوطنية التي ترفض النقد تتحول إلى صمتٍ مهيبٍ يخنق الإبداع.
الجوهر إذن أن يكون المثقف وطنيًا بحريته، وحُرًّا بانتمائه، فالكلمة الصادقة لا تخون الوطن بل تنقذه من النسيان والجهل.
خاتمة
يعتبر إطلاق بوعلام صنصال حدث يتجاوز صاحبه.
لإنه مرآة لعلاقة معقّدة بين المثقف والدولة في الجزائر، بين الرقابة والحرية، وبين الحاجة إلى النقد والخوف من نتائجه.
أما بقاؤه مسجونا، فيبقى أيضا يذكرنا بأن الكلمة ما تزال تخيفنا.. وأن الكاتب في مجتمعاتنا ليس دائمًا مبدعا يعيش في برج عاجي، بل شـاهدًا على عصره، حتى وهو يخرج من السجن. وحتى وإن كنت أختلف مع أطروحاته غير الوطنية.
صنصال في ذاكرة الأدب الجزائري… من الرواية إلى الرمز:
بوعلام صنصال لم يكن يومًا كاتبًا عابرًا في المشهد الجزائري، حتى وإن كتب بلغة المستعمر السابق ونشر في الخارج، فمنذ صدور روايته «قسم البرابرة» أواخر التسعينيات، اتّضح بأن مشروعه الأدبي لا ينفصل عن هاجسه السياسي والفكري.
صنصال يكتب بلغة فرنسية أنيقة، لكن بروح جزائرية جريحة، تمزج بين النقد والاعتراف، بين الحنين والغضب. في«قرية الألماني» مثلاً، واجـــــــه تاريخ العنف والتطرف دون تبرير أو تزيين، ما جعله في نظر البعض “كاتب الحقيقة المزعجة”، وفي نظر آخرين “صوتًا يسيء لصورة البـــــــلاد”.ومـــع مرور الوقت، تحوّل صنصال من مجرّد روائي إلى رمزٍ للنزاع الأبدي بين الأدب والسلطة.
في الجزائر، ظلّت مواقفه تُثير حساسية مزدوجة:
من جهة، هناك من يرى فيه وجهًا من وجوه الحرية الفكرية وحق الكاتب في المساءلة.
ومن جهة أخرى، يعتبره البعض متجاوزًا “لخطوط الانتماء”، خصوصًا بعد مشاركته في فعاليات ثقافية في إسرائيل عام 2012، ونقده العنيــــــف للدولة والقيم الإسلامية المتفق عليها، وهو ما زاد من عزلته داخل المشهد الرسمي والمجتمعي وحتى عند المثقفين.
ردود الفعل الدولية والجزائرية على إطلاقه:
هناك مواقف متباينة لرسالة العفو تلك:
الموقف الفرنسي:
الصحافة الفرنسية تعاملت مع إطلاق صنصال باعتباره “إشارة إيجابية نادرة من الجزائر”.
صحيفة «لوموند» كتبت أن العفو “يفتح ثغرة صغيرة في جدار الصمت”،
في حين وصفت «فرانس 24» القرار بأنه “بادرة دبلوماسية بقدر ما هي إنسانية”،
ودعا جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، إلى “الاستمرار في الدفاع
عن الكتّاب الذين لا يملكون إلا الكلمة كسلاح”.
الرد الجزائري الداخلي:
في الجزائر، تراوحت ردود الفعل بين الحذر والترحيب.
كتّاب مثل واسيني الأعرج وبشير مفتي أعربا عن ارتياحهما لخروجه، مؤكدين على أن “الاختلاف لا يجب أن يكون سببًا للسجن”.
في المقابل، أصدرت جمعيات ثقافية بيانات انتقدت “تسييس الأدب” واعتبرت أن “حرية التعبير لا تبرّر المساس بالرموز الوطنية”.
أما السلطات الرسمية فاكتفت ببيان مقتضب من الرئاسة، يؤكد أن “العفو تمّ لدواعٍ إنسانية بحتة، في إطار تقاليد الدولة الجزائرية في التسام
ما بين باريس والجزائر… رمزية تتجاوز الجغرافيا:
بهذا التفاعل المزدوج، عاد بوعلام صنصال إلى الواجهة ليس ككاتبٍ فقط، بل كـ جسرٍ متوتّر بين فضاءين ثقافيين:
فرنسا التي تبجّله كصوت حرّ من العالم العربي، والجزائر التي ترى فيه أحيانًا “ابنًا ناقدًا أكثر مما هو ناكر”.
هل تحول العفو إلى مناسبة لإعادة طرح السؤال القديم الجديد:
هل يستطيع الأدب الجزائري أن يكون حرًّا من دون أن يُتَّهم بالخيانة، وأن يكون وطنيًا من دون أن يخاف من الحرية..؟؟
عودة لتذكير القارئ بخلفية الكاتب ومساره
بوعلام صنصال، من مواليد 1949، مهندس واقتصادي تقلّد مناصب في وزارة الصناعة قبل أن يتفرّغ للكتابة في منتصف التسعينيات.
عرفه القراء عبر روايات مثل «قسم البرابرة» و«قرية الألماني» و«نهاية العالم 2084»
حيث اشتبك مع أسئلة الهوية والتطرف والسلطة والذاكرة الاستعمارية.
في أعماله، فهو يميل إلى نقد المنظومة السياسية والدينية معًا، ويعبّر عن رفضه لما يسميه “صمت المثقف أمام انحرافات السلطة”.
هذه الجرأة جعلت حضوره مثيرًا للانقسام: بين من يراه صوتًا حرًّا لا يساوم، ومن يعتبره يكتب من خارج المزاج الوطني