حين يتحوّل التحضّر إلى قناع: من جزيرة إبستين إلى مقابر أطفال غزة 

لم تكن قضية “جيفري إبستين” مجرّد فضيحة جنسية لرجل نافذ، بقدر ما شكّلت لحظة كاشفة لانهيار السردية الأخلاقية التي يتغذّى عليها عالمٌ يقدّم نفسه بوصفه ذروة التحضّر الإنساني. فحين تسقط الأقنعة، لا يظهر الإنسان «المتحضّر» كما يُسوَّق له، بل كائنٌ افتراسيّ، أكثر وحشية لأنه يملك المال والسلطة وشبكات الحماية.

لم يكن إبستين ذئبًا منفردًا، بل أحد نتوءات منظومة كاملة تسمح بالافتراس حين يكون الفاعل محصّنًا، وتُسكت الضحية حين تكون ضعيفة. منظومة لا ترى في القانون قيمة أخلاقية عليا، بل أداة انتقائية تُستعمل ضد الهشّ من المجتمعات الضعيفة، وتُعلّق حين تقترب من مراكز النفوذ.

هنا تتجلّى الحيوانية الحديثة في أكثر صورها خداعًا: ليست عارية كما في الأزمنة البدائية، بل متأنقة، ترتدي البذلات الفاخرة، وتعقد الصفقات في الطائرات الخاصة، وتتحدث عن حقوق الإنسان على موائد العشاء، قبل أن تنتهك أبسطها في الغرف المغلقة، والحفلات الصاخبة.

اللافت في قضية إبستين، أن الضحايا كنّ فتيات قاصرات، بل وفتيان قصر، أي الحلقة الأضعف في أي مجتمع. ومع ذلك، لم تهتز المنظومة إلا حين أصبحت الفضيحة تهدّد أسماءً نافذة، لا حين كانت الطفولة تُنتهك. وكأن الألم لا يُقاس بعمقه الإنساني، بل بمدى اقترابه من السلطة.

ثم جاء ما سُمّي بـ«الانتحار» داخل سجن يُفترض أنه من الأكثر تحصينًا، ليضيف طبقة جديدة من السخرية السوداء. لم يُقنع هذا التفسير أحدًا، لا بسبب غموضه فحسب، بل لأنه منسجم تمامًا مع منطق المنظومة: حين تصبح الحقيقة عبئًا عليها، يُتخلَّص منها. فيُدفن الجسد، ولكن تبقى الأسئلة، أكثر فداحة من أي إجابة رسمية ممكنة.

في هذا السياق، فلا عجب أن تصبح مأساة أطفال غزة حدثًا معزولًا أو استثناءً أخلاقيًا، بل إنها الوجه العلنيّ نفسه لتلك الحيوانية التي كشفتها قضية إبستين في صورتها السرّية. الفارق الوحيد أن الضحايا هنا لا يُستدرجون في جزر خاصة، بل يُقتلون تحت سماء مفتوحة، أمام كاميرات العالم، وبصمتٍ دوليّ يسيره هؤلاء الوحوش وهولا يقلّ فداحة عن التواطؤ نفسه.

أطفال غزة لا يملكون أسماءً نافذة تُحرج المنظومة، ولا نفوذًا يحصّنهم من التشويه، ولا سرديات إعلامية تُعامل موتهم كفضيحة أخلاقية عالمية. لذلك، يُختزل قتلهم في أرقام، ويُعاد توصيفهم بلغة تقنية باردة: «أضرار جانبية»، «ضرورات أمنية»، «حق في الدفاع عن النفس»، لتبلغ الحيوانية ذروتها: حين يُجرَّد الطفل من إنسانيته لغويًا قبل أن يُجرَّد منها جسديًا.

كما في قضية إبستين، لا تُطرح الأسئلة حين تقع الجريمة، بل حين تهدد التوازنات السياسية. ولا يُستنهض الضمير العالمي دفاعًا عن الطفولة، بل دفاعًا عن السرديات المهيمنة. الفرق أن إبستين سقط لأنه أصبح عبئًا، بينما تستمر مأساة غزة لأن قتل أطفالها لا يزال مقبولًا داخل منطق القوة والحيوانية.

هنا فقط يصبح صمتهم عن قتل أطفال غزة مفهومًا: فمن يحمي الجريمة في الخفاء، لا يدينها حين تتحول إلى سياسة معلنة.

وهكذا، لا تبقى القضية جنائية هنا أو عسكرية هناك، بل أخلاقية في جوهرها. عالمٌ يدّعي التحضّر، لكنه لم يتخلّص من الحيوانية، بل طوّرها، زوّدها بالقانون والإعلام والمال، ثم منحها شرعية الخطاب. غابة حديثة، ذكي فقط ذلك الذي تمكن من إخفاء أنيابها.

Related posts

 بوعلام صنصال.. عفوٌ يثير الأسئلة أكثر مما يجيب عنها..؟ 

ماذا لو كان الشهيد الراحل ياسر عرفات حيا..؟ 

.. غزة، الماء والدم.. حكاية أسطول لم يصل 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Read More