لم يكن إعلان الجزائر يوم 4 أوت 2025 عن رفع التحفط عن المادة 15فقرة 4 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”مجرد إجراء تقني أو خطوة معزولة في مسار إصلاح المنظومة القانونية، بل يُمكن اعتباره تتويجًا لمسار نضالي طويل قادته الحركة النسوية الجزائرية والمجتمع المدني النسائي منذ عقود.. فمنذ صدور قانون الأسرة سنة 1984، انطلقت انتقادات ومظاهرات واسعة من الجمعيات النسائية التي رأت في نصوصه تكريسًا لوضعية قانونية “قاصرة” للمرأة، خاصة في ما يتعلق بالزواج والطلاق والولاية على الأبناء والتنقل. وقد لعبت منظمات نسوية كثيرة، أدوارًا محورية في فضح التناقض بين التشريعات الوطنية والتزامات الجزائر الدولية.
فقدكانت التحفظات التي وضعتها الجزائر عند التصديق على “سيداو” سنة 1996، وخصوصًا المادة 15 فقرة 4، أحد أبرز محاور الحملات النسوية التي رفعت شعار: “لا مساواة منقوصة، ولا حرية مشروطة.“ وشكل المجتمع المدني قوة ضغط طوال سنوات التسعينيات والألفينيات، ورغم الظروف الأمنية آنذاك لم يتوقف المجتمع المدني النسوي عن المطالبة بمراجعة التحفظات، مما ساعد على بروز مبادرات نسوية جريئة خلال الملتقيات الحقوقية الوطنية والدولية، حيث صاغت جمعيات نسائية في بداية الألفية، مذكرات موجهة للبرلمان والحكومة تدعو إلى رفع التحفظات، وخلال مراجعة الدستور بين عامي 2016 و2020، أعادت طرح الملف، مؤكدة على أن الدستور يقرّ بالمساواة، لكن التحفظات تبقيها شكلية، كما ساهمت تقارير الظل التي رفعتها جمعيات نسوية إلى لجنة “سيداو” الأممية في إبراز الهوة بين النصوص الوطنية والالتزامات الدولية للجزائر.
لذلك فإن قرار 2025 لرفع التحفظ اليوم، إنما جاء ليعكس استجابة الدولة، ولو متأخرة، لمسار تراكمي طويل من النضال المطلبي، كما يؤكد بأن الضغط النسوي والمجتمعي المتواصل قد يثمر، ولو تدريجيًا. فالتعديلات التي مست قانون الجنسية سنة (2005)، ثم قانون الأسرة سنوات (2005، 2015)، كانت مقدمات لخطوة اليوم، التي تُعتبر الأكثر وضوحًا من حيث المواءمة مع “سيداو”.
كما يعتبر هذا القرار كدلالات رمزية لانتصار ثقافة المطالبة من خلال مسيرة مستمرة للنضال النسوي المتصاعد، الذي يشرعن للحضور المدني النسوي، وهو اعتراف غير مباشر بدور المجتمع المدني النسائي في الدفع بهذا المسار، وقدرته على تشكيل تحالفات مجتمعية تعتمد التراكم الميداني والفكري والإعلامي وحتى السياسي الذي قد بدأ يعطي نتائجه، وهو ما يعني أن هذه الخطوة قد تمنح الناشطات النسويات قوة دفع جديدة للمطالبة بإصلاحات أوسع وفتح آفاق جديدة للنضال في قانون الأسرة، قوانين الشغل، قوانين الحماية من العنف وغيرها من التناقضات المجتمعية الخطيرة التي ما تزال قيد المسكوت عنه في مجتمعنا.
هل يمكن اعتبار القرار خطوة نحو المساواة الكاملة..؟
من المؤكد أن قرار رفع التحفظ بتاريخ 4 أغسطس 2025 هو خطوةٍ ذات دلالات رمزية وقانونية مهمة، تتماشى مع التعديلات الدستورية الأخيرة تحت بند الحماية والمناصفة، وهذه فقرة جوهرية في ضمان حقوق المرأة في حرية التنقل والإقامة، بحيث تعتبر المرأة مواطنة لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات، وعليه، فإن للمرأة الحق، تمامًا مثل الرجل، في اختيار مكان إقامتها داخل البلاد، وفي خروجها منها، أو عودتها إليها، ورفع التحفظ هذا، هو انتصار للمرأة كما يعكس التزام الجزائر كدولة وكقانون بالنصوص الدستورية التي سطرتها، وباحترامها للمعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان والمساواة التي تنادي بها باستمرار في محافل الأمم المتحدة، كما يعني بأن الجزائر وبهذا الإجراء لم تعد ترى في هذه المادة تعارضا مع دستورها أو ثقافتها الوطنية، بل هي بذلك تُعبّر عن انخراطها الجدّي في تحسين مكانة المرأة، وإزالة كافة العقبات القانونية التي قد تحول دون تمتعها الكامل بمكتسبات الحقوق الإنسانية، لكن هل يمكننا القول في الوقت نفسه، بأنه وبإزالة هذا التحفظ،، قد تم إزالة التمييز الممارس مجتمعيا ضد النساء وهل ستتمكن الدولة فعليا من تعزيز أمنها وبناء استقلاليتها الشخصية وحريتها الجسدية والإنسانية التي تضمن للمرأة بالفعل حق التنقل واختيار السكن دون قيد قانوني تمييزي علني أو مبهم، وهو ما يُعدّ الهدف الأساسي من اتخاذ مثل هذه القرارات..
نحن كمناضلات، علينا أن نثمن أي قرار قد يضيف منفذا إيجابيا لحقوق النساء اتخذته الدولة، ونعتبر هذا الإجراء، هو تناغم معقول مع السياسات التشريعية الإصلاحية والمراجعات المستمرة لقوانين الأسرة وغيرها من التشريعات التي تمس أوضاع النساء، ضمن رؤية إصلاحية شاملة، والتي تبنيناها وطالبنا بها كنساء، ولذلك فإنه من حقنا اليوم أن نتساءل عن بقية المطالب ومن بينها تمكين المرأة وترقيتها، تلك المطالب التي التزمت بها الدولة دستوريا باعتبارها جزء لا يتجزأ من أولويات الدولة في مرحلة ما بعد الدستور الجديد والإصلاحات الاجتماعية المُعزّزة لمكانة الجنسين,
وعليه، يمكن القول: إن رفع التحفظ عن المادة 15 فقرة 4 من “سيداو” هو ثمرة تلاقي بين إرادة سياسية ونضال نسوي متواصل. لكنه ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من العمل الحقوقي والمدني، حيث سيواصل المجتمع المدني النسوي الضغط من أجل أن تتحول النصوص القانونية إلى ممارسة يومية تضمن للمرأة الجزائرية كامل حقوقها وحريتها في التنقل والإقامة، دون قيد أو وصاية، مع ضرورة إقرار ضوابط تنفيذية دقيقة لضمان تطبيق الحق في التنقل دون عراقيل إدارية أوثقافية، والعمل على تحيين قوانين حماية المرأة في كافة مجالات النشاط، وبالأخص تعزيز البرامج التوعوية في المجتمعات المحلية من أجل تقبل اجتماعي قوي لمبدأ المساواة الفعلية في الميدان، تتحمل مسؤولية تنشيطه بالدرجة الأولى الوزارة المكلفة بالمرأة وكذا المجتمع المدني النسوي والديني والشبابي أي المجتمع بصفة عامة، مع إجراء تقييم دوري لتأثير رفع التحفظ على واقع المرأة، والاستماع المباشر إلى تجارب ومعاناة النساء في المناطق الحضرية والريفية، فبقدر ما يعتبر رفع التحفظ خطوة ضرورية لضمان الإنصاف في المحاكم والمجالس القضائية، الخاصة بالقضايا المتعلقة بمكان الإقامة والتنقل. ويعزز الجهود للقضاء على التمييز القائم على النوع، وبقدر ما يمثله هذا الرفع، من اعتراف رسمي باستقلالية المرأة، إلا أنه سيبقى حبرا على ورق ومادة لإثارة الجدل العقيم الذي ألفناه كلما أثرنا مبدأ المساواة، لذلك ومن أجل تقبل القرار اجتماعيا، وهذا ليس بالأمر السهل، علينا جميعا العمل سويا محاربة ما تراكم لدى المجتمع من أفكار تمييزية صادمة، قد تسبب عنفا خطيرا للنساء وقد تتصادم بشكل أو بآخر مع مطالب أخرى لرفع تحفظات أخرى ذات الصلة بهذا الالتزام الجديد الضامن الوحيد لتكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في كافة التشريعات الوطنية.
بقلم ن. ل