لم يكن فوز زهران ممداني بعمادة مدينة نيويورك حدثًا عابرًا في المشهد الأميركي، ولا مجرد تناوب جديد على مقعد إداري، بل كان، في جوهره، انقلابًا رمزيًا على معادلة القوة التقليدية في واحدة من أكثر مدن العالم نفوذًا وإبهارًا.
فهذا الشاب ذو الجذور الإفريقية والهوية المسلمة، الذي دخل السياسة من باب الناشط الاجتماعي، استطاع أن يحول الحلم الشخصي إلى مشروع جماعي، وأن يعبّر عن جيل جديد من الأميركيين الذين ضاقوا ذرعًا بسياسات النخبة المتوارثة، وقرروا أن يقولوا كلمتهم في صندوق الاقتراع
إن فوز ممداني لا يُقرأ فقط من زاوية الانتماء الديني أو العرقي، بل من زاوية التحول السياسي العميق الذي يعيشه المجتمع الأميركي اليوم. جيل يطالب بالمساواة في السكن، بالعدالة في توزيع الثروة، وبسياسات إنسانية تجاه قضايا المهاجرين والفقراء، في مدينة تتغنى بالحرية بينما تعيش على وقع تفاوت اجتماعي صارخ بين الأبراج الشاهقة والأحياء المنسية.
لقد استطاع ممداني أن يترجم الغضب الاجتماعي إلى مشروع سياسي، وأن يحوّل الوعي الجمعي المتعب إلى أمل جديد. لم يأتِ بشعارات طوباوية، بل بجرأة في مواجهة المنظومة، في نقد الدعم غير المشروط لإسرائيل، وفي الدفاع عن القضايا العادلة بصوت عالٍ، حتى وهو يعلم أن ذلك قد يكلّفه الكثير سياسيًا وإعلاميًا.
لكن، بين الخطاب والواقع، هناك اختبار لا يرحم. فمدينة نيويورك ليست حقل تجارب، بل آلة معقدة تحكمها مصالح اقتصادية ضخمة وتوازنات حزبية دقيقة. وهنا تبدأ رحلة ممداني الحقيقية: كيف سيوازن بين المبادئ والممكنات؟ كيف سيصمد أمام ضغط المؤسسات واللوبيات التي ترى في صعوده خطرًا على نفوذها؟
ورغم كل ذلك، فإن رمزية هذا الفوز لا يمكن تجاهلها. إنها لحظة انتصار رمزي للهويات المهمشة، للثقافات التي ظلت لسنوات على الهامش. ولعل في هذه اللحظة أيضًا رسالة لكل المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب: أن الطريق نحو المشاركة لا يُرسم بالانكفاء، بل بالحضور، وبالقدرة على فرض الذات من داخل المؤسسات لا من خارجها.
قد ينجح زهران ممداني في مهمته وقد يخفق، لكن ما حققه حتى الآن كفيل بأن يُدرّس في كتب السياسة والاجتماع: كيف يمكن لشاب من أصول غير غربية أن يدخل قلب المؤسسة الأميركية، لا ليذوب فيها، بل ليعيد تعريفها على ضوء قيم العدالة والمساواة.
في زمن تتسع فيه الفجوة بين الشعارات والواقع، يأتي فوز ممداني كنسمة سياسية نادرة، تُذكّر بأن التغيير ممكن، حين يُصرّ “الهامش” على أن يكون في مركز القرار.. عنوان زهران ممداني: سيسجل كفوز تُرسم فيه ملامح التغيير في عاصمة التنافس الأميركي الكبرى
خلاصة القول: هل هي بداية عهد جديد أم رحلة صعبة تحت الضغوط؟
ففوز زهران ممداني هو بلا شك نقطة تحول رمزية.. إنه انتصار لمن يريد أن يرى تغييرات ليست فقط في الشعارات، بل في الواقع المعاش. لكنه أيضًا إشعار بأن الطريق أمامه لن يكون سهلاً. فالتحدي الأكبر سوف يكون في تحويل الطموحات إلى نتائج ملموسة، والحفاظ على التوازن بين التوقعات الكبيرة من جهة، والإمكانيات الحقيقية من جهة أخرى
إذا نجح، قد يصبح هذا الفوز نموذجًا لنجاح لشاب مسلم مهاجر افريقي طموح ولديمقراطية أكثر انفتاحًا وأكثر عدالة في المدن الكبرى الأمريكية. أما إذا فشل، فهو فشل للقدرة التسيير المسلمة الإفرقيى الشبابية وسيُنظر إليه كدرس جديد في الخلاف الدائم بين الطموح السياسي والقدرة على التنفيذ.