صدر أخيرا كتاب “غزة، بطاقة الذاكرة الأخيرة” للمناضلة الحقوقية “راضية بوديسة” الذي يتناول توثيقا لمحاولة اغتيال الشعب الفلسطيني من خلال محاولة “اغتيال الإعلام الفلسطيني”، كأول تجربة لها في الكتابة والنشر، ولكن للذي يعرف بوديسة، يعرف بأنها ليست تجربتها الأولى في العمل البحثي والإعلامي في القضايا الإنسانية..
الجديد في هذا الكتاب، هو أن الناشرة اختارت العمل التوثيقي لقضية انسانية تحررية، مجتمع يغتال يوميا ويحاصر إعلاميا وغذائيا، لكنه يصمد ويضحي بكل شيئ من أجل قضية وطن عادلة رغم التعتيم الإعلامي الدولي.. وحتى عندما يناصره أبناؤه يغتالون بدورهم كي لا تصدح الحقيقة..؟
لكن راضية في كتابها هذا، أرادت أن تفضح القاتلين والمتواطئين العاملين على محاولة طمس صورهم النتنة وإجرامهم المتعمد ضد ناقلي الحقيقة وناقلي صور قتل الأطفال للعالم أجمع.. ذلك العالم الذي تواطأ بشغف لطمس الحقيقة..
نضالها اليومي في واقعها الإجتماعي ومعايشتها لأحداث القضية الدامية في غزة، حفز إنسانيها فقررت فضح تلك الجرائم الصهيونية المقززة وذلك التواطؤ الاستعمراري العالمي الذي سكت وما يزال يعمل على إسكات الحقيقة بإسكات ناقليها وهم الإعلاميون.. وأعتقد جازمة، أنه أول عمل من نوعه صدر في هذه المأساة، وهو ما يدعونا لتشجيعها وتوصيل كتابها لكل طلاب الحقيقة.. أتركها لكم، أعزائي القراء، ومع ما كتبته بنفسها في تقديمها لكتابها، مع تمنياتي لها بالتوفيق والنجاح والإستمرارية
نفيسة لحرش
«غزة، بطاقة الذاكرة الأخيرة» – Gaza, The Last Memory Card.
تأخّر صدور هذا الكتاب، لا لأسباب تقنية، بل لأن ثقل الألم الذي يحمله كان أكبر من أن يُطبَع. ظننتُ أن مرور الوقت قد يخفّف حدّته، لكنني اكتشفت أن بعض الأوجاع لا تهدأ… بل تتجذّر.
ومع ذلك، ها هو الكتاب اليوم بين أيديكم، وأنا لم أشفَ منه بعد.
هذا الكتاب ليس إعلانًا عن إصدار جديد بقدر ما هو وضعٌ لذاكرة ترفض أن تُقبر. ذاكرة كُتبت من الوجع والخوف الحقيقي من أن تسرق، كما تُسرق الأرواح.
وهو محاولة أخيرة للإمساك بما تبقّى، ولتخليد 317 صحفيًا وصحفيةً وعاملًا في الإعلام استُشهدوا في غزة على يد الاحتلال الإسرائيلي، بين 7 أكتوبر 2023 و13 أكتوبر 2025.
ينطلق الكتاب من غزة بتاريخها وحضاراتها، من كونها مدينةً تحبّ الحياة وتبحث عنها رغم الحصار والخذلان، ثم يصل إلى غزة ما بعد السابع من أكتوبر، حيث تغيّر كلّ شيء.
حرب لم تكن الأوسع فحسب، بل الأكثر دموية بحقّ الصحفيين في العصر الحديث. حرب أصبحت فيها الكاميرا هدفًا، والكلمة جريمة، والصحفي شاهدًا يُراد إسكاتُه.
يحاول الكتاب قراءة ما جرى للإعلاميين، عبر تحليل معمّق لاستهدافهم حسب الجنس، الأجيال، الوظائف، والفترات الزمنية، وظروف ووسائل وأماكن الاستهداف، في محاولة لفهم كيف سعى الاحتلال إلى كتم الصوت الفلسطيني، وتغييب روايته، وضرب الوعي الجمعي عبر القتل الممنهج للصحافة، دون استثناء أحد.
كما يسلّط الضوء على حرب الرواية، وأدوات الدعاية والاستخبارات الإعلامية، وعلى الصحفيين الذين حملوا الحقيقة ودفعوا حياتهم ثمنًا لها.
ولم ينسَ أسرى الكلمة، الصحفيين والصحفيات المعتقلين في السجون الإسرائيلية، الذين لم يُقتلوا بالرصاص، لكن أُريد لأصواتهم أن تُدفن خلف القضبان.
ويتوقف الكتاب أيضًا عند الصحفيين الذين اغتالهم الاحتلال خارج فلسطين، ليبيّن كيف لم يعد استهداف الصحافة فعلًا معزولًا، بل سياسة ممتدّة جعلت من الاحتلال قاتلًا إقليميًا للصحفيين، أينما كانت الكلمة شاهدًا.
يعود الكتاب في نهايته إلى الوجوه والحكايات المقطوعة في منتصف الطريق، إلى أحلام لم تجد وقتًا لتكتمل، ويُختتم بقائمة 317 اسمًا مع صورهم وأعمارهم ومهنهم وتفاصيل استشهادهم، لأنهم لم يكونوا أرقامًا، ولن يكونوا كذلك أبدًا.
لم يكن لهذا الكتاب أن يرى النور لولا أشخاص آمنوا به ورافقوه بصدق ومسؤولية.
أشكر من القلب كل من ساهم في مراجعته لغويا، تصميمه، التحقيق في معطياته، واحتضانه كذاكرة أخلاقية حسّاسة، دون المساومة على روحه أو صدقه.
أدين لهم جميعًا بالامتنان، لأنهم ساعدوني على ألا أترك الذاكرة وحيدة.
هذا الكتاب وعدٌ للذاكرة:
ألا ننسى، ألا نصمت،
وأن تبقى غزة حاضرة،
وأن تبقى أصوات صحفييها حيّة، حتى بعد الاستشهاد.