ترامب يلقي كلمة في منتدى دافوس.
لم تكن غزة سببًا في ولادة «مجلس السلام»، بقدر ما كانت اللحظة التي كشفت الحاجة إليه لدى القوى المهيمنة. فالمجازر العلنية، وفشل المجتمع الدولي في فرض وقف العدوان، وفضح شلل مجلس الأمن، كلّها وقائع جعلت القانون الدولي عائقًا لا أداة. عندها لم يُبحث عن آلية للمحاسبة، بل عن إطار بديل لإدارة الكارثة. هكذا تحوّلت غزة من اختبار للضمير العالمي إلى ذريعة لإطلاق مسار سلام بلا عدالة، يُدار فيه الصراع بدل إنهائه.
كما لم يكن «مجلس السلام» نتيجة حرب غزة، بقدر ما كانت غزة اللحظة الكاشفة له، برره ضعف القوى الكبرى في وقف المجزرة العلنية، وانكشاف شلل الأمم المتحدة وأعضائها الدائمين، أبرزت إشكالات الصراع الأممي ودفعت نحو البحث عن إطار بديل لا يُحاسِب ولا يُلزِم. وهكذا تحوّلت غزة من قضية اختبار للضمير العالمي إلى ذريعة لتجاوز القانون الدولي، وإطلاق مسار يُدار فيه السلام خارج العدالة، وتُستثمر فيه المأساة بدل إنهائها.
«مجلس السلام»: حين يُباع القرار الدولي ويُصفّى الحق باسم الاستقرار؟؟
لم يعد السؤال اليوم كيف يمكن تحقيق السلام، بل: من يملكه؟ ومن يحدّد شروطه؟ ومن يُقصى عنه؟
فما يُروَّج له تحت مسمّى «مجلس السلام» لا يعكس إرادة حقيقية لإنهاء الحروب، بقدر ما يكشف تحوّلًا خطيرًا في بنية النظام الدولي، حيث تُدار القضايا المصيرية بمنطق السوق، وتُستبدل الحقوق المبدئية بترتيبات سياسية–اقتصادية تخدم الأقوى.
«مجلس للسلام» ليس هيئة أممية دولية، ولا مؤسسة ذات ميثاق قانوني، ولا إطارًا خاضعًا للمساءلة. هو كيان فضفاض، بلا تمثيل متوازن ولا التزام واضح بالقانون الدولي. وجوده بحدّ ذاته دليل على أن النظام القائم لم يعد يُصلَح من الداخل، بل يُلتفّ عليه، وأن الشرعية تحوّلت من أساس للقرار إلى عبء يجب تجاوزه.
لم تكن غزة سببًا في ولادة «مجلس السلام»، بقدر ما كانت اللحظة التي كشفت الحاجة إليه لدى القوى المهيمنة. فالمجازر العلنية، وفشل المجتمع الدولي في فرض وقف العدوان، وفضح شلل مجلس الأمن، كلّها جعلت القانون الدولي عائقًا لا أداة. عندها لم يُبحث عن آلية للمحاسبة، بل عن إطار بديل لإدارة الكارثة. هكذا تحوّلت غزة من اختبار للضمير العالمي إلى ذريعة لإطلاق مسار سلام بلا عدالة، يُدار فيه الصراع بدل إنهائه.. وهي بالتأكيد الآلية التي سيتم توسيعها إلى كل منطقة الشرق الاوسط التي تملك فيها الولايات المتحدة حتى الآن باعا طويلا..؟ في هذا السياق، تُختزل القضايا العادلة إلى «ملفات».
غزة تُدار كخطر أمني يجب احتواؤه، لا كقضية شعب تحت الاحتلال.
السلام يُختزل في التهدئة، والتهدئة في الاستقرار، والاستقرار في كلفة يجب ضبطها.
لم يعد السؤال: كيف نُعيد الحقوق؟ بل: كيف نمنع الانفجار بأقل ثمن ممكن؟ وتتحول بذلك من قضية حق إلى ملف أمني–اقتصادي ذو قيمة استيراتيجية..؟ أو إلى قمة دافوس دافوس 2026 تعرض رؤية انطلاق لتحويل الاتفاقيات الإبراهيمية إلى نموذج تنموي..؟
فنزويلا: الصمت الذي ارتقى إلى التواطؤ العالمي؟
في مقابل وقائع غزة، يكشف الصمت الدولي حيال فنزويلا الوجه الآخر لهذا التحوّل، حصار اقتصادي طويل، وتجويع ممنهج، وتدخل سياسي مباشر، دون مساءلة أو ضغط دولي فعلي، حتى الأمم المتحدة كانت إشارتها لاستباحة شعب واغتصاب حقوق رئيس دولة، إشارة محتشمة ومذلة لنضال شعب كامل.. لأن القضية في عمقها لا تهدد «الاستقرار العالمي» ولا مصالح الأسواق.. لذا كان اختيار الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤا مع منطق جديد يقيس القضايا بمدى ربحيتها، لا بعدالتها، ويؤكد أن الشعوب التي لا تدخل حسابات السوق تُترك خارج أي «سلام» معلن.. وهو حقيقة أبعاد معادلة اليوم..؟
وهكذا كشف الصمت الدولي حيال فنزويلا النتيجة العملية لهذا المسار المختار من ترامب؟ الذي أدى في النهاية إلى تدخل سياسي مباشر، باركه الإتحاد الأوروبي بالصمت أوبالتزكية”ماكرو” دون ضغط حقيقي أو حتى مساءلة جدّية. لماذا؟ لأن القضية لا تهدد استقرار الأسواق، ولا تمسّ مصالح القوى الكبرى. وهذا الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤًا صامتًا مع منطق جديد يقيس القضايا بربحيتها لا بعدالتها، ويؤكد أن الشعوب الخارجة عن الطاعة الجيوسياسية تُترك خارج أي «سلام» مُعلن..؟
ترامب… الرئيس الفجّ والغامض أكثر من غيره..؟
لم يصنع ترامب هذا التحوّل، لكنه عبّر عنه بوضوح غير مسبوق. فتصريحاته عن تغيير الأنظمة وفرض «السلام» بالقوة الاقتصادية لم تكن شذوذًا، بل تعبيرًا صريحًا عن منطق بات مقبولًا:
القوة تشرّع، والمال يقرّر، والقانون يُستدعى عند الحاجة فقط.
فالخطرالحقيقي لا يكمن في «مجلس السلام» بحدّ ذاته، بل في السابقة التي يؤسّس لها من أسسوه:
تجاوز الأمم المتحدة
تهميش القانون الدولي
إعادة تعريف السلام باعتباره استقرارًا يخدم الأقوى
تحويل الحقوق إلى أرقام مالية قابلة للإدارة
في هذا العالم، ستصبح كل قضية مرشّحة لأن تُختزل إلى ملف، وكل شعب قابلً للإقصاء إن لم يملك ثمن المقعد، أو ‘ن لم يكن لديه من يدافع عنه يملك مقعدا.
خاتمة
ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول آلية سلام، بل حول مصير الحقوق نفسها.
فحين يُباع القرار، وتُشترى المشاركة، ويُكافأ الصمت، لا يعود السؤال: هل سينجح «مجلس السلام»؟
بل: كم شعبًا سيُستبعد من السلام القادم؟