فنزويلا.. الأزمة السياسية العسكرية … وصراع الشرعيات 

هل لأمريكا الحق في ضرب فنزويلا..؟  

   تطور التصريحات الأمريكية وصمت أغلب دول العالم يؤكد ذلك، كما أن تاريخ الولايات المتحدة فيالإعتداءات على الدول خارج نطاق الأمم المتحدة يؤرخ لذلك.. فتبرير الحصار وضرب الزوارق وقتل من فيها في البحر عشوائيا، ليس جديدا، فقد سبقه ضرب  فيتنام بحجة الشيوعية وغزو العراق بحجة الأسلحة الكيميائية، واستعمار أفغانستان بحجة الإرهاب، والهجوم على إيران بحجة التسلح النووي.. كلها كانت حججا واهية هدفها الوصول إلى تحقيق المطامع الاقتصادية والسيطرة والتركيع.. 

   ففي الوقت الذي تعيش فيه فنزويلا واحدة من أعقد أزماتها السياسية، تشدد الولايات المتحدة عقوباتها الاقتصادية والعسكرية، مما يجعل فنزويلا اليوم على مفترق الطرق، بين الانهيار التدريجي ومحاولات إعادة بناء الدولة من جديد، وبين انقسامات سياسية عميقة، وتراجع اقتصادي خطير، وما بين هجرة جماعية، وسيطرة ضاربة لبارونات المخدرات، كل ذلك يجعل من الأزمة الفنزويلية ملفًا خطيرا تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الأجندات الإقليمية والدولية. وتتزايد فيها ضغوط واشنطن الطامعة في السيطرة على ثروات البلاد، وهي الأزمة التي تحاول أن تتعامل معها تحركات كاراكاس مع محدودية تحركاتها.. يضاف إليها مطالب الشارع السياسية والاقتصادية الي لم تهدأ ولم تكل، مما جعل فنزويلا تبدو وكأنها تعيش صراعًا بين حاضر مثقل بالأزمات ومستقبل لم تتضح ملامحه بعد. 
ففنزويلا ومنذ انتهاء انتخابات 2024–2025، تعيش تحوّلا حادّا على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، حيث تصاعدت الاحتجاجات والاتهامات بالتزوير، وزادت حملة القمع ضدّ المعارضة الرافضة للنتائج، وتفاقمت أزمة الاقتصاد والإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، ومع تطور المواجهة الداخلية، برزت مواجهة خارجية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية المتربصة أصلا بفنزويلا، ليتحول ذلك التربص في نهاية المطاف إلى حصار عسكري معلن مشحون بالتصعيد البحري والتهديد بزحف بري لا لا تعرف مآلاته…؟ 

المشهد السياسي والشرعية 

ابتدأ الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ فاز”نيكولاس مادورو” بالدورة الرئاسية الثانية، التي فشلت فيها أمريكا آنذاك بفرض رئيس غيره، لكن المعركة اشتدت بعد فوزه بدورة ثالثة، وهي الانتخابات التي أججت بنتائجها الصراع بين الرئيس الفنزويلي وبين خصومه المدعومين من عدد من الحكومات الغربية،  والي اتهمته بإقصاء المعارضة والتضييق عليها،  وبعد أن كان متهما سياسيا باعتقاله لأعضاء المعارضة، وفرض قيود على النشاط السياسي ووسائل الإعلام، انطلاقا انخرطت من توثيقات لمنظمات حقوق الإنسان التي أشارت  بدورها إلى ممارسات قمعية واسعة النطاق قبل وبعد الانتخابات، عاملة بذلك على تفكّيك مصداقية المؤسسات الديمقراطية محليًا ولتضيف شرعية على الاحتجاجات المعارضة. وهكذا اقتنص الرئيس “ترامب” القرصة لتشويه التشويه الرئيس المنتخب، لدرجة تجنيد تحالفات دولية ومحلية يوم حفل التنصيب من أجل إسقاطه، ومع الأيام تحول الصراع من متابعات سياسية إلى متابعات مافياوية  والإتجار بالمخدرات..  

الاقتصاد والواقع الإنساني/ الدولة الغنية الفقيرة…؟ 

  أما اقتصاد فنزويلا فلا يزال رهينًا لقطاع النفط (الأكبر) عالميا، وقد شهد هبوطًا شديدًا في الإنتاج منذ سنوات سابقة، مع تعافٍ متقطع أو بيع بخصومات كبيرة إلى أسواق غير تقليدية بسبب العقوبات الغربية. وقد أدى هذا الوضع إلى تقلّص موارد الدولة، ونمو تضخم قياسي، أدى إلى انهيار كبير في الخدمات العامة.. وبالتوازي مع صعوبة هذا الوضع، برزت أزمة إنسانية أشد، كالنقص في الأدوية والوقود والكهرباء، زاد من تعقيدها موجات نزوح واسعة أدّت إلى تدفّق مهاجرين إلى دول الجوار ومنطقة بحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية، فأفرزت كارتيلات قوية لبارونات المخدرات،  مما أضعف من خطط الاستجابة الإنسانية الدولية التي لا تزال تواجه تحديات كبيرة، لا يمكن الحد منها، إلا الاستقرار السياسي، فهو الكفيل الوحيد بتغيير الوضع الاقتصادي، حتى لو كان نسبيًا، وهذا التعافي، بحسب الوقع الحالي، سيتطلب سنوات طويلة، واستثمارات كبيرة، وإعادة فتح أسواق النفط وإجراءات قوية وسريعة لتأمين الشفافية السياسية والاقتصادية . 

: التوتر مع الولايات المتحدة  

   في الأشهر الأخيرة كما أشرنا ومع بداية سنة 2025، تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة إلى مستوى التصعيد اللافت، الذي تجاوز التحذيرات الكلامية إلى التحذيرات العسكرية الميدانية، ثم تطور بتحرك السفن الحربية الأمريكية، وضرب قوارب الصيد بصياديها، دون حرج، وتصنيفها دون تجري بأنها مافيا مخدرات بحرية يجب التخلص منها، ثم انتقلت إلى التهديد بإغلاق «المجال الجوي» عبر تصريحات أمريكية علنية، مما أصبح ينذر بتوتر عسكري في مجمل البحر الكاريبي كله..  فيس ففنزويلا ليست وحدها المعنية بالتصعيد.. وبالإضافة إلى الاتّهامات المتبادلة والتصعيد الدبلوماسي والعسكرة المتواصلة، جاءت المكالمات الهاتفية التي لم تستطع التخفيض من حدة التوتر العالية المستوى بين الرئيسين الأمريكي والفنزويلي، رغم أنها كانت قد أثارت اهتمام الإعلام والدبلوماسية الدولية.  

  هذه الورقة الإعلامية، وكلام المسؤولين الأمريكيين والتنقلات العسكرية في منطقة الكاريبي، وكل ما تلاها من نشر لتقارير إخبارية واسعة لعمليات استخبارية، واستعدادات عسكرية موسّعة المبالغ فيها، ردّت عليها فنزويلا بثبات، وبتحرك قواتها واستدعاء ميليشيات وتعبئة داخلية مكثفة، مما يعكس إمكانية التصعيد الأميركي / الفنزويلي، ورفع احتمال حوادث عسكرية أو ضربات جوية محدودة (أو حتى عمليات سرية) برية، وهو ما يخلق بيئة عدم يقين قد تؤثر بقوة في أسواق الطاقة العالمية أو في مواجهة تحمل أخطارا انتقالية واسعة، تدفع بأزمة لا إنسانية لأكبر عدد من  اللاجئين، وضرب للإمدادات النفطية الإقليمية، والفنزويلية بصورة خاصة. 

تأثير تلك العسكرة على الطاقة والأسواق العالمية: 

  تمتلك فنزويلا احتياطيات نفط هائلة، لو تعرّضت منشآتها للخطر أو توقّف تصديرها، فإن ذلك سينعكس على سوق النفط والوقود العالميين. لذلك ربطت فنزويلا في الأيام الأخيرة تحركات دبلوماسية مع أعضاء أوبك/ الحلفاء، والتي جاءت كجزء من محاولة كاراكاس لحشد دعم واحتواء للضغوط، أي أن أي تعطّل في الإنتاج الفنزويلي قد يرفع أسعار النفط والديزل على المدى القصير والمتوسط، وهو أمر سيوجع الدول المستوردة للطاقة ويزيد الضغوط التضخمية عالميًا،  وسيزعج بالتأكيد الرئيس ترمب . 

السيناريوهات المحتملة (خلاصة استراتيجية): 

   تصعيد عسكري أمريكي محدود، قد بدأ بضربات محددة وعلى أهداف محددة، تعتبرها أمريكا مرتبطة بتهريب المخدرات، لكن الحقيقة في الميدان هي أخرى، وقد تحصل عمليات أميركية محدودة أخرى ضد بنية تحتيةٍ تُعدّها واشنطن تهديدًا؛ وقد يؤدي الردّ الفنزويلي إلى اضطراب إقليمي.  وقد تتوسع المناورات الأمريكية إلى كولومبيا، فقد كانت ذات يوم مسرحا لحرب بارونات المخدرات ولمدة طويلة، أو قد يكون سببها تلك المشادات العنيفة العلنية بين الرئيس ترامب والرئيس الكولومبي، التي ظهرت عبر الإعلام بعد مشاركة الرئيس الكولومبي في مظاهرات نيويورك ضد الكيان الإسرائيلي عند انعقاد دورة الامم المتحدة.. وقد تطول الأحداث أو تتجمّد، وقد يتفادى ترمب الحرب، وقد تزداد وتيرة القمع الداخلي، ببقاء “مادورو” في السلطة والتفاف غالبية مواطنيه حوله، وقد تزداد الفوضى والتذمر في فنزويلا، فتفلت الأمور وتزداد المعاناة لدى المدنيين من آثار الحصار ما يؤدي لهجرة النخبة وإفراغ البلد من شبابه مما يزيد إضعاف الإقتصاد وتوسع المأساة.؟   

  لكن وبتفاؤل بسيط، قد يتم التوصل إلى حل تفاوضي/ دبلوماسي محدود: بوساطة دول إقليمية (برازيل، قطر، تركيا أو حتى روسيا أو غيرها..) مما قد يفضي إلى هدنة مؤقتة أو طويلة الأمد أو فتح قنوات تواصل سياسية مقابل تنازلات داخلية، سياسية أو اقتصادية، وهي اللعبة التي تميز الأهداف الأمريكية الحقيقية والرئيس ترامب على وجه الخصوص لكن حتى هذا، لا يمكن تحقيقه دون ضمانات دولية وإشراف دبلوماسي قوي.  

هل نحن أمام توجه استعماري جديد..؟ 

    هذه الأحداث تعيدنا للمربع الأساسي الذي يطرحه علينا هذا المقال: “هل نحن أمام توجه استعماري جديد..”، نعم، ومع الأسف، فما يحدث ليس استعمارًا كلاسيكيًا قائمًا على الاحتلال المباشر، ولكنه يحدث عبر أدوات ترهيب واستنزاف مختلفة..  وأهمها: 

الاستعمار الاقتصادي، النفط، المعادن 

الشركات اللاتينية، 

الموانئ، المياه 

خطوط التحويلات المالية، 

أسواق العملة والديون. 

التوسع الجغرافي (حتى لو بالإبادة الجماعية) 

هل هو استعمار سياسي بدعم من أنظمة موالية 

إذا ما استندًنا إلى القانون الدولي، فإننا لا نجد أي أساس شرعي لقيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات عسكرية إلى فنزويلا في الوضع الحالي، إلا إذا:

 1) صدرت موافقة صريحة من مجلس الأمن (وهو مستحيل بسبب الفيتو الروس/ الصيني). 

 2) إن كانت الولايات المتحدة تدافع عن نفسها ضدّ هجوم فعلي مباشر (وهو غير موجود 

 3) إن طلبت حكومة فنزويلا تدخلًا عسكريًا (مستحيل لأنها خصم لواشنطن). 

  4) إن حصلت حالة تهديد مُثبت للأمن الإقليمي يتطلب تدخّلًا جماعيًا (وهو غير متوفر أيضًا).    إذن أي ضربة أميركية على فنزويلا خارج هذه الحالات، تُعدّ عمليًا عملاً غير قانوني وفق ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك ستعمل الولايات المتحدة على تبريرات مفبركة معتمدة على ما يحدث في الواقع، مثل: 

الدفاع عن الديمقراطية. 

ذريعة مكافحة المخدرات، 

حماية الأمن القومي الأميركي، 

    لكن هذه التبريرات سياسية وليست قانونية، وهي قد استخدمت سابقًا ضد دول مثل بنما، غرينادا، العراق، ليبيا… وغالبًا ما انتهت إلى فوضى ومأساة إنسانية، وهي بالتالي “قوة” سياسية عسكرية تفرض خارج القانون الدولي، وبالنتيجة يمكننا توصيف التدخل الأميركي بكونه يتجاوز مسألة “المبادئ” إلى مسألة “المصالح”، فالنفط، النفوذ الجيوسياسي، السيطرة على أمريكا اللاتينية، وضبط الملفات الداخلية الأميركية. هو الهدف الأهم. 

Related posts

ماذا بعد زيارة رئيسة جمعية الصداقة الجزائرية الفرنسية“ سيغولان روايال”

 غزة: الشرارة التي كشفت لا التي صنعت “مجلس اللسلام”  

فلسطين بعد «وقف الحرب»: حين يصبح القتل سياسة أقل ضجيجًا؟ 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Read More