في سنة 1988، وبعد الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية إثر انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني بنادي الصنوبر، بالجزائر العاصمة، المجلس الذي جمع آنذاك نشطاء الحركة الفلسطينية من الداخل والخارج، جاء انعقاد المجلس مباشرة بعد مذابح وزير الدفاع الصهيوني “إيليان شارون” في لبنان عام 1982 وما تبعها من تهجير للحركة الفلسطينية من لبنان إلى تونس، وقتها، وبعد إعلانه للدولة، توجهت لسؤال القائد الشهيد “ياسر عرفات” عن الدولة التي سيقيمها، وهو الذي استطاع رغم كل التناقضات والمفارقات التقريب بين الرؤى وتوحيد قرار فصائل المقاومة الثائرة، والخروج بإعلان موحد لقيام الدولة الفلسطينية، تقدمت منه فوجدته واقفا خارج قاعة المؤتمر وهو في أوج نشوته، شامخا، رغم غضبه الذي لا يستطيع مداراته، كان يبذل جهودا مضنية لمراضاة الشاعر الكبير الراحل “محمود درويش” الذي كان ما يزال منفعلا من نقاشات سياسية حادة مع بعض زملائه أثناء المؤتمر، وبكل أعجوبة استطاع القائد المخضرم “عرفات” أن يحتوي غضب محمود درويش لينتهى به المطاف بعد حوار واحتضان وبوسات.. إلى العودة إلى القاعة وإلقائه لأجمل قصائده الرائعة والحافلة بأروع صور النضال والوطنية ومن أهمها رائعته “سقط القناع” التي أخلطت الأوراق وقلبت قاعة نادي الصنوبر على رأسها..
إمباشرة بعد توصيل محمود درويش إلى القاعة، تقدمت منه منادية، وبجرأة عالية، لم يكن يتميز بها آنذاك إلا الصحافيون المتمرسون: سيدي الريس سيادة الرئيس، مبروك عليكم الدولة أولا، ثم هل يمكننا أن نعرف خارطتها وأين تنتهي حدودها..؟ أجابني القائد بصوت شجي رافعا رأسه عاليا: “إن شاء الله تكون في البحر، المهم الاقتناع بالهدف، والنضال من أجله..”؟
بعد جمود مسرحية معاهدات “أوسلو” بمقتل رئيس وزراء الكيان “إسحاق رابين”، وحصار القائد “ياسر عرافات” لحد الموت، وفشل كل المبادرات الموالية، هاهي مبادرة أخرى تطرح نفسها مرة أخرى مع رئيس أمريكي آخر “ترامب”، وهاهي أمريكا تعيد طرح الإشكالية اليوم ولكن بشكل آخر، أي بأكثر قسوة وأكبر تزييف وأمعن احتقار عرفته الإنسانية العربية، مما جعل الإرادة الفلسطينية، رغم شدة نضالها وكبر تضحياتها تخضع للمساومات الامريكية الإسرائيلية في كل محاولة لإطلاق أية مبادرة جدية، ورغم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان وإدانة المحكمة الجنائية الدولية له، التي انعكست قراراتها على الشارع الغربي، إلا أن المسؤول العربي الذي ارتبطت مصالحه مع سلطات الكيان الصهيوني الأمريكي المتعاقبة، ومع اتساع شرخ الخلاف بين الفلسطينيين وغياب القيادي الجامع، جعل الكيان الذي عمل على توسيع الخلاف وتقزيم الحلول وضرب المقاومة وتفكيكها، يقطع خيط الإجماع الرفيع بين الإخوة الأعداء فلسطينا وعربيا، ويعمق الصراع العربي عربي، ويعاطم من قلة الصبر وتعاظم الخذلان..؟
وعندما نشاهد موجة الإعترافات في الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية بعد 47 سنة من إعلانها في قصر الصنوبر البحري بالجزائر، فمن المؤكد أن يسطع أمل الحرية مرة أخرى، كما أنه من المؤكد أن نفتخر بصلابة وصمود قادة وشعب الجبارين الفلسطينيين، وكذا بمواقف الجزائر، الدولة التي سبقت في رؤاها ومبادئها أغلب دول العالم التي تدعي الديموقراطية وحقوق الإنسان.. ولا يسعنا اليوم إلا الإنحناء إلى ذلك الماضي العظيم بكل محطاته ورجالاته، وإلى التذكير بأن ما جرى في غزة من إبادة جماعية، هو في النهاية برغم مأساته ومخلفاته، الإنتصار الحقيقي للشعب الفلسطيني برمته، ولكل شهداء النضال الفلسطيني أينما سقطوا، وحتى وإن كان مخرجو المسرحية الخبيثة قد أصبحوا أبطالها وانفردوا بتحقيق الأهداف الظاهرة والخفية، فليعلم الجميع أن هذا الشنآن لم يكن ليحصل لولا مبادئ النضال التي عمل عليها النبلاء والشهداء الذين عاهدوا شعوبهم على ذلك، ولولا هبة ونصرة شعوب العالم الحر التي غمرت الشوارع وخاضت أهوال البحار، وليس من يجتمعون على أجداث الشهداء وأنقاض البنايات بالخطب والإغراءات، وطرح مشاريع المدن والناطحات وتحقيق الإمتيازات.. ففي النهاية الحق يعلى ولا يعلى عليه وسنرى إن كانت الدولة الفلسطينية ستكون كما رآها القائد.. فوق البحر أم تحت البحر، المهم أن تكون، لتكون على الاقل، مثواك إلى جانب كل الشهداء من الفلسطينيين المناضلين، ولكل قادة المبادئ الشرفاء أينما وجدوا.. إن شاء الله نعيش لنرى..؟