مقدّمة — لماذا مهرجان الجزائر مهم
في بلدٍ تتقلّص فيه مساحة الإنتاج السينمائي عامًا بعد عام، وتغلق فيه قاعات العرض الواحدة تلو الأخرى، تبدو كثرة المهرجانات السينمائية أشبه بمحاولة لخلق صناعة غير موجودة. ورغم أن مهرجان الجزائر الدولي للفيلم يقدّم في كل دورة برنامجًا طموحًا، ويجلب أسماء وأفلامًا من أكثر من عشرين دولة، فإن السؤال الجوهري يظل معلّقًا: فما جدوى الاحتفال بالسينما إذا في بلدٍ لا يملك صناعة سينمائية حقيقية..؟
فالسينما في الجزائر تعيش مفارقة مؤلمة؛ بقطاع إنتاج هشّ، وبغياب ممولين فاعلين، وبقاعات معدودة أو مغلقة أو محولة للحفلات والأعراس، وبمنظومة توزيع تكاد تكون معدومة، حتى لو حاولت الدولة بالدفع بغير ذلك، ففي غياب رؤية حقيقية للسينما تضع الصناعة قبل الاحتفالات والسهر على تنظيم مهرجانات بميزانية ضخمة من أجل هذه المهرجانات إلى رافعة ثقافية واقتصادية كفيلة بتغيير تلك الواجهة الجميلة التي تخفي الفراغً الكبيرً المتمثل في قلة مسؤولية أهل القطاع أنفسهم الذين عملوا ذات يوم على إفلاسه، وفي قدرة إرادة قطاع الثقافة التي ساهمت في تهميش قطاع السينما، بسياستها التي كانت بطبيعة الحال مواكبة لسياسة الدولة آنذاك في كل مجالات الثقافة ..؟
الأفلام المتوجة في اختتام مهرجان الجزائر للفيلم الدولي
اختتمت فعاليات الطبعة 12 لمهرجان الجزائر للفيلم الدولي الذي تم إطلاقه سنة 2009، باحتفائية كبيرة دامت لأسبوع كامل، وبتتويج أحسن الأفلام السينمائية في المنافسة الرسمية، وتكريمات وإشادات بتجارب إبداعية منجزة وأخرى واعدة.
فعاليات المهرجان التي انطلقت في 4 ديسمبر, بعرض 100 فيلم ضمن المسابقات الرسمية وخارجها، ممثلة لـ 28 دولة، والتي انتهت في 10 ديسمبر 2025، بكثير من النقد والتشريح..؟ فكما افتتح المهرجان، اختتم اشغاله بقاعة المسرح الوطني (محي الدين باشتارجي) بالعاصمة، بحضور وزيرة الثقافة، والي ولاية الجزائر، إطارات وزارة الثقافة، وسفير جمهورية كوبا بالجزائر، باعتبار بلده ضيف شرف المهرجان مع عدد كبير من الفنانين والمواطنين المهتمين بقطاع السينما، وخاصة أولئك المرتبطين بالسينما الملتزمة لاستعادة الذاكرة المجتمعية
وكما في كل نهاية، أعلنت لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة برئاسة المخرج الجزائري ”كري طرايدية”, عن تتويج الفيلم الجزائري “رقية” للمخرج “يانيس كوسيم” بالجائزة الكبرى لأفضل فيلم روائي، فيما فاز بجائزة لجنة التحكيم مناصفة فيلم “قرية نحو الجنة” للمخرج الصومالي “موهاراوي” وفيلم “أحلام عابرة” للمخرج الفلسطيني “رشيد مشهراوي.
وفي صنف الأفلام الوثائقية، أعلنت لجنة التحكيم برئاسة السينمائية الألمانية “مونيكا مورير”, فوز فيلم “عناب” للمخرج “عبد الله قادة “من الجزائر، بالجائزة الكبرى لأحسن فيلم وثائقي، ومنحت جائزتها الخاصة إلى الفيلم البرازيلي “لا أحد يولد ليداس” للمخرجة “ناريمان بابا عيسى” و”روكاس روكسو”, ومنحت اللجنة تنويها خاصا لفيلم “حيو.. المغنية المتمردة مريم الحسان ونضال الصحراء الغربية” من الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
أما لجنة تحكيم الفيلم القصير برئاسة المخرجة اللبنانية “هدى إبراهيم”, فقد أعلنت عن تتويج فيلم “الوشاح الأسود” للمخرج الإيراني “علي رضا شاه حسيني”, كما منح تنويه خاص لفيلم “عساسات الليل” للمخرجة الجزائرية “مينة خدة” فيما ظفر بجائزة لجنة التحكيم الفيلم “مشية الغراب” للمخرج “خالد بن طبال” من الجزائر.
ومن إيجابيات المهرجان أنه قد خصص تكريمات لثلة من الشخصيات الفنية منهم: المخرج والمنتج الفلسطيني “حنا عطا الله”, المترجمة والمناضلة “إيلين مختفي”، المخرجة الألمانية “مونيكا مورير”، والسيناريست توفيق فارس” من الجزائر”.
وبعرض فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية “كوثر بن هنية”, الحائز على أهم جائزة في مهرجان فينيسيا الدولي لعام 2025، ( أنجز في عز الإبادة الجماعية للكيان على غزة، وهو عمل درامي يمزج طيلة 89 دقيقة بين الأسلوب الروائي والتوثيقي، استعانت فيه المخرجة بتسجيلات صوتية حقيقية ومشاهد تمثيلية لتجسيد قصة الطفلة الفلسطينية “هند” والمسعفين اللذين حاولا إنقاذها أثناء القصف) أسدل الستار عن فعاليات مهرجان الجزائر للفيلم الدولي
هل ستضيف المهرجانات جديدا على إرث السينما الجزائرية في ظل تراجع الإنتاج..؟
السينما الجزائرية لها تاريخ مشرف من الإنجازات الدولية، من السعفة الذهبية لـ لخضر حامينة” بمهرجان “كان” العالمي، وبالأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا، وغيرها من التتويجات في كثير المهرجانات الدولية، لكن السينما الجزائرية عانت من تراجع كبير بدأ مع أزمة التسعينات نتيجة للمشكلة الأمنية، التي جعلت التطرف الديني يهيمن لمدة طويلة على تغيير كثير من المفاهيم الثقافية والمجتمعية، وحتى بعض الضوابط السياسية التي أثرت على حرية الإبداع الفني، وفكر الجمهور المتلقي المحلي.
- ذهنية الجمهور: سنوات العنف وقلة الإنتاج شكلت وعيًا جماعيًا محافظًا، مما قلّص حضور، الجمهور لقاعات السينما الوطنية.
- إغلاق دور السينما: بسبب الظروف الأمنية، تقلّص العرض المحلي فأثر على استدامة الإنتاج. وأضعف سوق التوزيع
- غياب سياسة إنتاجية مستمرة: ضعف الإدارة والتسيير، توقف الصناديق التمويلية وانعدام استراتيجية واضحة جعل كل فيلم مشروعًا منفردًا محفوفًا بالمخاطر.
هل يعتبر المهرجان نافذة للأمل السينمائي المتجدد…؟
نعم، لأن السينما الجزائرية تمتلك مواهب خلاقة، جمهورًا متعطشًا، وتجارب إنتاجية ناجحة، لكنها بحاجة إلى رؤية استراتيجية، دعم مالي مستمر، إعادة فتح القاعات، وتشجيع الإنتاج المحلي بالتعاون الدولي.. هذه الخطوات إن صدقت يمكنها أن تحول مهرجان الجزائر الدولي للفيلم من منصة عرض مؤقتة إلى محرك حقيقي لإحياء صناعة سينمائية مستدامة، قادرة على المنافسة عالميًا واستعادة المجد التاريخي للجزائر، لذلك فإن دور المهرجان الحقيقي هو السعي إلى “كشف وتسليط الضوء على الأعمال السينمائية المتميزة” المطروحة للتسابق أو العرض سواء كانت من الجزائر أو من دول العالم.. فالهدف من المشاركة الدولية، هو ليس عرضً للأفلام، وإحتفائية بالتتويجات فقط، بل هو دعم لتطور الفن السينمائي في الجزائر وربط للسينمائيين الجزائريين بالنخبة العالمية. وتطوير للسوق المهنية،
بمعنى آخر ، على المهرجان هنا أن يطمح إلى تحفيز الإنتاج السينمائي، من خلال تنظيم ورش العمل، الندوات، التكوين المستمر.. تجعل المهرجانات تساهم في بناء قدرات جيل جديد من السينمائيين (مخرجين، ممثلين، كتاب، مهنيي الصوت والصورة …). أن يشكل المهرجان فرصة حقيقية لبعث القدرات الناعمة المؤثرة في التأثير الوطنية والعالمية لتطوير مشاريع وطنية تبرز في المساهمة في الحركة العالمية للسينما، باستهداف الإنتاج العالمي المشترك، والنشاط في حركية التوزيع العالمية مع استقطاب المهن السينمائية الأساسية لبعث العمل السينمائي المهني بإدماج ذوي الاختصاص والقدرات الفنية المستقبلية من الشباب خاصة.