وقف إطلاق النار في الخليج … هل نحن أمام نهاية حرب أم أمام إعادة ترتيب للصراع؟

أفضل افتتاحية يمكن أن تكتب اليوم عن الاتفاق الذي أُعلنه مساء أمس الرئيس الأمريكي “دولاند ترامب” لوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أشهر من التصعيدر الإقليمي الدموي، وهي لن تكون افتتاحية احتفالية بالكامل، ولا افتتلجية متشائمة بالكامل، بل افتتاحية حذرة وواقعية، لأن ما نعرفه حتى الآن هو أن إطلاق النار قد توقف، أما السلام الحقيقي فما زال مشروعاً قيد الاختبار..؟ فرغم إعلان التوصل إلى اتفاق إطلاق النار وانسحاب الجيشين لكن الإبقاء على كثير من التفاصيل الجوهرية غير معلنة للرأي العام..؟

بين صمت المدافع وضجيج الأسئلة

أخيراً، وبعد أشهر من المواجهة التي دفعت المنطقة إلى حافة انفجار واسع، جاء الإعلان عن اتفاق لوقف الحرب. خبرٌ انتظره الملايين، واستقبله البعض بارتياح، فيما استقبله آخرون بكثير من الحذر والريبة. فالحروب لا تنتهي بمجرد توقيع اتفاق، كما أن السلام لا يولد تلقائياً من رحم وقف إطلاق النار.. وفي التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك..؟

صحيح أن الأسلحة قد صمتت، وأن السفن قد رجعت أدراجها، وأن أسواق الطاقة قد تنفست الصعداء، لكن الأسئلة الكبرى ما تزال معلقة: ماذا نعرف فعليا عن مضمون الاتفاق..ً؟ ومن قدّم تنازلات أكثر؟ وهل نحن أمام تسوية حقيقية أم مجرد هدنة مؤقتة فرضتها كلفة الحرب على جميع الأطراف؟

لقد علمنا التاريخ أن أصعب مرحلة ليست هي الحرب نفسها، بل ما يليها.. ففي زمن المعارك تكون الجبهات واضحة، أما بعد توقفها فتبدأ معارك أخرى، هي معارك التأويلات والتكتلات والتساؤلات، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه منتصراً، وإلى تفسير البنود الغامضة بما يخدم مصالحه، وهنا يكمن الخطر الحقيقي..؟

فاليوم لا تحتاج منطقة الشرق الأوسط والخليج، إلى إعلان انتصار جديد، بقدر ما تحتاجان إلى ضمانات تمنع اندلاع جولة أخرى من الصراع.. فالشعوب التي دفعت ثمن التوترات السياسية  دما مكثفا، وعاشت بوجع أزمات العقوبات الاقتصاد ية الخانقة، وناورت بحسابات عسكرية حولت سالكي الممرات البحرية إلى رهائن مخترقة، كل هؤلاء يبحثون عن استقرار دائم لا عن استراحة قصيرة بين حربين..؟

 ربما، قد يكون الموقف الأكثر حكمة هو الترحيب بوقف الحرب، دون الوقوع في وهم نهايتها الكاملة. فالسلام ليس لحظة سياسية عابرة، بل مسار طويل من الثقة المتبادلة والالتزامات الواضحة والقدرة على معالجة أسباب النزاع لا نتائجه فقط، وربما قد تتمكن المنطقة اليوم، من أن تلتقط أنفاسها، أما الغد، فسيحكم عليه “ما إذا كان الاتفاق يحمل في طياته حوارا حقيقيا، أم مجرد فاصلة قصيرة “ في قصة لم تصل بعد إلى فصلها الأخير

وأنا، أعتقد أن رؤيتي لهذه النهاية، تكمن في أنها لا تنحاز لرواية “الانتصار” التي سيحاول الجميع  تسويقها، اوالإنطلاق منها في كل تحاليلي، بل سأركز على الفكرة الأهم:  ألا وهي الفرق بين وقف الحرب وبناء السلام.. وهذه النقطة بالذات قد تكون مفتاحا لرؤية أخرى قادمة، قد يستحق التوقف عندها، في تجاوز مني لتلك الملاحظة الباردة للأحداث، التي لا تنسجم مع حرب طحون دامت لشهور هزّت بحدتها وتشابكها المنطقة بأكملها..؟

هل فرضت الوقائع العسكرية والاقتصادية التراجع على الأطراف المعنية، أم أن  الاتفاق جزء من حسابات أكبر..؟ وهل توقف إطلاق النار يعني أن أسباب الحرب قد زالت؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا التوقف: الشعوب أم القوى التي تسعى إلى إعادة التموضع..؟  

ما يلفت انتباهي شخصياً في مثل هذه الاتفاقات هو أن الغموض ليس دائماً عيباً عرضياً، بل قد يكون جزءاً من الاتفاق نفسه. فكل طرف يحتاج إلى مساحة داخلية ليقول لجمهوره: إنه لم يتراجع ولم يخسر. ولذلك كثيراً ما تُترك البنود الأساسية في صياغات عامة تسمح بتفسيرات مختلفة إلى أن تبدأ مرحلة التفاوض الفعلية

هنا يمكن أن تتحول الافتتاحية من مجرد حديث عن وقف الحرب إلى سؤال أعمق:هل السلام الذي يولد من توازن الخسائر يكون أكثر صلابة من السلام الذي يولد من توازن المصالح؟ الأطراف قد تتوقف عن القتال لأنها تعبت، أو لأنها أدركت أن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من المكاسب المتوقعة. لكوما الذي تغيّر فعلن التعب ليس مشروع سلام، بل مجرد دافع لالتقاط الأنفاس..

أما من زاوية أخرى، فيمكن القول إن المنطقة لم تعد تواجه مشكلة حرب واحدة، بل مشكلة بنية إقليمية كاملة تنتج الأزمات باستمرار. فحتى لو انتهت هذه المواجهة، تبقى ملفات النفوذ والأمن والطاقة والتحالفات والصراع العربي مع الكيان ومشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية قائمة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انتهت الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيخرج منها؟

ولو كنت أكتب افتتاحية أكثر عمقاً وأعمق نبرةً تأملية، ربما أبدأ هكذا:”حين تتوقف الحروب، يسارع الجميع إلى عدّ الخسائر المادية والبشرية، لكن الخسارة الأكبر غالباً ما تبقى مؤجلة: خسارة الثقة. فالاتفاقات تستطيع أن تُسكت المدافع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تُسكت الشكوك. ولهذا يبدو الإعلان عن وقف الحرب اليوم أقل أهمية من الإجابة عن سؤال واحد:هل اتفقت الأطراف على إنهاء المواجهة، أم اتفقت فقط على تأجيلها؟”

وأنا أعتقد أن هذه الزاوية قد تكون الأقرب إلى في الكتابة؛ فهي لا تنشغل بمن ربح ومن خسر، بل بما إذا كانت المنطقة قد اقتربت فعلاً من الاستقرار، أم أنها دخلت فقط مرحلة جديدة أكثر هدوءاً من الصراع..؟

ماذا بقي خارج الاتفاق؟ وما الذي تغيّر فعليا ؟

ما بقي خارج الاتفاق قد يكون أخطر مما ورد فيه ؟ فإذا تغيرت الأدوات فقط، وبقيت الأهداف كما هي، فإننا سنكون أمام مرحلة جديدة من الصراع لا أمام نهاية له. أما إذا تغيرت الحسابات والمصالح والتوازنات التي دفعت إلى المواجهة، فهنا يمكن الحديث عن تحول حقيقي، وليست قيمة الاتفاق في لحظة توقيعه، بل في قدرته على الصمود أمام الأسباب التي أنتجت الحرب. فالتاريخ مليء بالاتفاقات التي أوقفت المعارك، لكنه أقل امتلاءً بالاتفاقات التي أوقفت الصراعات..؟

Related posts

بين أنقرة والساحل والشرق الأوسط المشتعل..   ماذا تريد الجزائر من تركيا..؟

حين تُستدعى ميلانيا: الإشاعة كجبهة خلفية للحرب؟

هدنة الخليج… ونار لبنان …   حين تُدار الحروب ولاتُحسم..؟ 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Read More