الرئيسية سياسيات من يملك الحق في تقرير مصير اليمن؟ 

من يملك الحق في تقرير مصير اليمن؟ 

الكاتب قسم التحرير
8 دقائق قراءة

الصراع السعودي–الإماراتي: انعكاساته على واقع اليمن ومستقبله…؟ 

إذا كانت إفرازات ما سمي بـ”الثورة اليمنية” عام 2015، هو تعميم لحكم الإخوان المسلمين الذي تبنته السياسة الأمريكية آنذاك لإعادة صياغة الدول الوطنية المتمردة في المنطقة العربية، بتواطئي مع بعض التحالفات العربية قصيرة النظر، قد اعتقدت أنها قطفت ثمار الحراك الشعبي، رغم مظاهر الحرب الأهلية المدمرة، التي أريد لها مآلات معينة كغيرها من الثورات العربية الأخرى.   

    مع مرور السنوات وتطور الأحداث، برزت أهداف أخرى مستترة، تشكلت الإستراتيجيات الحقيقية من هذه الثورة، وممن سيجني ثمارها؟  فظهر في الواجهة الشقيقان المجاوران كحليفين يعملان على مصلحة اليمن وهما السعودية والإمارات، رغم تباينهما الضمني في الأهداف التي لم تكن خافيًة على المتابعين الإستراتيجيين…؟ 

    مع طول الحرب وتغير المصالح وتشكل التحالفات، تحوّل هذا التباين من اختلاف في التكتيك إلى صراع نفوذ غير معلن، لكنه ترك بصماته العميقة على الواقع اليمني، وفتح الباب أمام تساؤلات حاسمة حول مستقبل الدولة اليمنية، ووحدة أراضيها، والجهات المستفيدة من هذا الصراع خاصة بعد التدمير والتقسيم الذي هز اليمن. عززه بروز الحوثيين على الأرض كلاعب قوي ومفاجئ بخطاب سياسي، إعلامي وإستراتيجي مختلف، شكل لدى الأطراف المتصارعة تحديا قويا وصف عندهم بـ “المشكلة اليمنية”، متناسين حقيقة أساسية لا يمكن القفز عليها  وهو أن الحوثيين هم يمنيون أيضا  ونشأوا على الأرض اليمنية، يتحركون داخل نسيج اجتماعي يمني، ويعبّرون عن شريحة من المجتمع اليمني– بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معهم، من هذا المنطلق، فإن النقاش الحقيقي  الذي وجب طرحه هو: كيف يمكن لكل اليمنيين، وبكل أطيافهم، أن يتوافقوا على شكل إدارة شؤونهم دون وصاية خارجية؟ وليس العكس…؟ 

 جذور الخلاف… وحدة التحالف أم تضارب المصالح؟ 

دخلت السعودية الحرب تحت شعار “إعادة الشرعية” ومنع تمدد النفوذ الإيراني عبر جماعة أنصار الله (الحوثيين)، بينما تعاملت الإمارات مع اليمن من زاوية مختلفة، فهي لم تدخل اليمن بوصفها وسيطًا، ولا داعمًا لمسار سياسي جامع، بل كطرف يحمل مشروعا غامضا قاعدته: 

  • إنشاء تشكيلات مسلحة موازية للدولة. 
  • دعم مشاريع انفصالية. 
  • السيطرة على موانئ وجزر استراتيجية. 
  • إعادة رسم الخريطة الأمنية بما يخدم مصالحها الجيوسياسية. 

وبذلك، لم تعد الإمارات جزءًا من “الحل”، بل أصبحت جزءًا من المشكلة البنيوية التي تعمل على تقويض أي دولة يمنية جامعة، بل انخرطت في التأسيس لما يسمى بالمجلس “الانتقالي الجنوبي”. مرتكزة على خارطة ما بعد استقلال اليمن الأولى، انطلاقا من: 

  • محاربة فئة من اليمنيين الذين تصفهم بالإخوان، السيطرة على الموانئ الاستراتيجية. 
  • تأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. دعم قوى محلية انفصالية تخدم رؤيتها الأمنية والاقتصادية. 

هذا الاختلاف في الأهداف أنتج مسارين متوازيين داخل التحالف وحفز السعودية بدورها لفرض قبضتها على شمال اليمن، أو ما يسمى بالحكومة الشرعية، خاصة بعد بروز قوة ثالثة لا تأمن لها السعودية من منطلق طائفي بحت، مما زاد من حدة الصراع وشدة التقاتل بين الإخوة في الوطن الواحد؟. 

ثانيًا: الجنوب ساحة للصراع المفتوح؟ 

  مع طول الحرب، وتنافر المصالح تحوّل جنوب اليمن إلى المسرح الأوضح للتنافس السعودي–الإماراتي، سيرته التوجهات السياسية والإقليمية لكل دولة دون تناطح في الأهداف المتناقضة أصلا مع ما لها من ارتباطات مع المصالح الخارجية الخفية، لكنها في كل أحوالها، كانت على حساب المصالح اليمنية الوطنية…؟ هذا الواقع الجديد صعب من استيراتيجية الحلفاء، وعقد من واقع الحكومة اليمنية الشرعية أكثر، بل وزاد من تفكك القرار الوطني، كما عمّق الانقسامات الجغرافية والسياسية. بحيث أفرز قوة صراع ثالثة قوية ومقاتلة، وهي قوة الحوثيين الطائفية عند البعض، الوطنية عند جزء كبير من الشعب اليمني منذ القدم، لتجعل من عاصمة اليمن كلها، صنعاء، عاصمة لهم ولانتمائهم التاريخي، رغم الانقسامات الجغرافية والسياسية الواضحة في الصراع.  

ثالثًا: التأثير على مسار الحرب والسلام؟ 

الصراع الخفي بين الحليفين لم يلق بظلاله الثقيلةعلى وحدة اليمن فقط، بل أفرز: 

  • إطالة أمد الحرب بدل حسمها. 
  • أضعف أي مفاوض يمني في مسارات السلام. 
  • خلق تعدد مراكز القوة والسلاح، بلا قيادة موحدة، ولا رؤية سياسية مشتركة. 

أبرز جماعات أخرى لا تنتمي للقوى الداعمة على الأرض كجماعة الحوثي مثلا  

رابعًا: الانعكاسات الإنسانية والاقتصادية 

لم يكن اليمنيون سوى الضحية الأولى، الذين تحوّلت بعض مناطقهم إلى ساحات نفوذ خارجي، تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق

  • الدولة.                                                                          تفاقم الأزمة
  • الإنسانية.              انهيار مؤسس
  • الدولة.                                                                  تدهور الاقتصاد
  • الخدمات.                                         تعمّق الفقر وانعدام الأمن. 

خامسًا: من المستفيد من الصراع؟

  بطبيعة الحال، القوى الخارجية التي تجد في يمن ضعيف ومجزأ فرصة لترسيخ نفوذها. شبكات السلاح والاقتصاد غير المشروع بعض القوى الإقليمية والدولية المستفيدة من استمرار عدم الاستقرار في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، أما الخاسر الأكبر، فهو دائما اليمن:اليمن كوطن، واليمنيون كشعب. 

سادسًا: أي مستقبل لليمن؟ 

 استمرار الصراع السعودي–الإماراتي، ولو بصيغة غير مباشرة، قد أنذر بـأن:

  •  استمرار الحرب، هو تكريس للانقسام شمالًا وجنوبًا.
  •  إضعاف فكرة الدولة المركزية.
  • تعقيد أي حل سياسي شامل. 

في المقابل، استعادة الدولة يبقي الأمل مرهونًا بـ :                             

  •  إعادة توحيد الرؤية الإقليمية تجاه اليمن.                                                                 
  • تمكين اليمنيين من قرارهم السيادي.    
  • معالجة جذور الصراع بدل إدارة أزمته.                                                                         

عندما يصبح “اليمني” محل اتهام و”الأجنبي” وصيًا؟ فمن يملك الحق في تقرير مصير اليمنيين؟ 

  الصراعات الداخلية، مهما بلغت حدتها، تبقى جزءً من التاريخ السياسي لأي دولة، قابلة للحل عبر التفاوض والتوازنات الوطنية. وخاضعة في النهاية لإرادة المجتمع المحلي. أما التدخل الخارجي – وخاصة حين يأتي من أطراف لا تمتلك: رابطًا اجتماعيًا أو تاريخيًا بالأرض، ولا تمثيلًا شعبيًا في المجتمع، ولا تفويضًا قانونيًا من الشعب اليمني، فهو لا يمكن اعتباره دعمًا، بل مصادرة للقرار الوطني. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الأطياف: الحوثي خصم سياسي يمني موجود على الأرض، 
والمتدخلون الأجانب فاعلون خارجيون لا ينتمون إلى الصراع الاجتماعي ولا إلى المطالب الحقوقية اليمنية، فهم الخطر الجاثم عليه. 

السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: من يملك الحق في تقرير مستقبل اليمن؟ 

اليمنيون، بكل تناقضاتهم؟ نعم. 

القوى السياسية المتصارعة داخل المجتمع؟ نعم. 

من يحمل السلاح على الأرض ويستند إلى قاعدة اجتماعية؟ يمكن محاسبته سياسيًا، لكن لا يمكن إلغاؤه. 

أما القوى الخارجية، أو الدول التي تتعامل مع اليمن كساحة نفوذ، أو التي ترى في الجغرافيا اليمنية مجرد موقع استراتيجي، فلا تمتلك أي شرعية أخلاقية أو سياسية لفرض رؤيتها. 

إن تحويل الصراع في اليمن إلى معادلة “يمني شرير” مقابل “أجنبي منقذ” هو قلب للحقائق. فمهما كانت المآخذ على الحوثيين أو غيرهم من القوى اليمنية، يبقى الحل يمنيًا أو لن يكون.؟ 
أما استمرار التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي الأخير، وبتداعياته الصهيونية فلن ينتج دولة، بل يسرع من إنشاء كيانات هشة، وصراعات مؤجلة، ووطنًا بلا سيادة. 

اليمن بين “شرعية السلاح” ووصاية الخارج؟ 

كيف تحوّل الصراع السعودي–الإماراتي إلى تهديد لفكرة الدولة؟ *اتها؟ ويجعل من التنافس بين حليفين ليس مجرد اختلاف في تكتيكات حرب مواجهة بين أطراف يمنية متنازعة، بل بات ساحة مكشوفة لتضارب مشاريع إقليمية، تتسيد التنافس السعودي–الإماراتي. لكنها تتعداه لمشروع إقليمي متكامل يتجاوز حتى مشروع من “النيل إلى الفرات”، الذي جرى تغليفه طويلًا بشعار “التحالف”، شعار لم ينعكس فقط على مسار الحرب، بل أصاب جوهر الدولة اليمنية، وطرح سؤالًا مقلقًا: من يملك اليوم حق تقرير مصير اليمن؟ 

هل هناك حقيقة صراع بالفعل بين حليفين ما دام المستفيد الأول هو واحد؟ 

استمرار الصراع السعودي–الإماراتي لا يخدم في حقيقته لا إستراتيجية الحليفين ولا وحدة اليمن، بسبب ما سبق وأن تخاذلا عنه هذين اللاعبين في قضايا مشابهة في المنطقة والتي تتضح أهدافها أخيرا: 

قوى إقليمية تستثمر في يمن ضعيف. 

شبكات المصالح المرتبطة بالموانئ والسلاح والفوضى. 

قوى دولية ترى في الفوضى وسيلة للهيمنة على الممرات البحرية. 

وأجزاء مهمشة من الشعب اليمني، تغتنم فرصتها لتعزيز موقعها في ظل تشتت خصومها. 

فالحقيقة في اليمن على الأرض لا تعتبر كل من يحمل السلاح فاقدًا للشرعية، وليس كل من يتدخل باسم إعادة الشرعية منقذًا، أو كل حامل لمشروع التطبيع مغريا. 
في اليمن، جرى قلب المعادلة على أن: اليمني يُحاكم لأنه يطالب بحقه في القرار، والأجنبي يُكافأ لأنه يفرض وصايته بالقوة. 
وأي سلام لا يعيد القرار إلى اليمنيين، كل اليمنيين، لن يكون سلامًا، بل هدنة لإدارة الوصاية. 

في الواقع، لم يعد الصراع في اليمن حربًا داخلية فقط، بل أصبح مرآة لصراعات إقليمية متشابكة خاصة بعد الواقع الجديد في الشرق الأوسط وخاصة في غزة، وسوريا والسودان، وما سيلي ذلك من خرائط المستقبل الصهيونية المنفذة عربيا، حيث الصراع العربي الصهيوني الذي تشكلت تحالفاته منذ زمن.. والكل يعرف أن ما سيفرزه الصراع الحقيقي في اليمن، يرتبط أساسا بازدياد تصارع المصالح، ولا يهم في النهاية، استمرار نزيف البلد من الحروب والتدخلات.  والحديث عن سلام حقيقي لا تقرره دول تابعة، أو دول لا تحمل رؤية واضحة للمنطقة أو تلك التي تمر حتمًا عبر صراعات النفوذ، دون الاعتراف بأن استقرار اليمن ليس عبئًا… بل مصلحة إقليمية ودولية مشتركة. 

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.