الرئيسية سياسيات التعديلات الدستورية في الجزائر بين تصحيح المسار وإعادة تشكيل السلطة 

التعديلات الدستورية في الجزائر بين تصحيح المسار وإعادة تشكيل السلطة 

الكاتب نفيسة لحرش
5 دقائق قراءة

تمت المصادقة في الأسبوع الماضي، على مشروع القانون المتضمن التعديل التقني للدستور من قبل البرلمان بغرفتيه، بأغلبية 542 صوتا، ويهدف هذا القانون الإصلاحي تعديل 12 مادة،  حسبما تم مناقشته في جلسات البرلمان عند اقتراح  

التعديلات  

هذا الاقتراح الذي كان قد كشف عنه رئيس الجمهورية في 24 يناير2024، وتمثلت الاقتراحات في عشرة مضامين، والتي “لم تمس مدة أو عدد الولايات الرئاسية، خلافا للشائعات” التي كانت متداولة 

كما شمل الاقتراح عدة جوانب كانت تهدف حسب وسائل الإعلام، إلى تحسين النواحي التقنية الخاصة بتنظيم وعمل المؤسسات الدستورية والهيئات العمومية، والتي طرحت تساؤلات حول التغييرات التي أحدثها التعديل على مستوى صلاحيات رئيس الجمهورية، بما في ذلك منحه ما يبدو أنه مزيد من السلطة على القضاء، وصلاحية الدعوة لانتخابات محلية مبكرة، في حين تراجع دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وبات محصورا في مهمة إشرافية. 

التعديل الدستوري؟ هل هو تكريس لدولة المؤسسات 

 أم تعزيز لسلطات الرئيس…؟  

أبرز مضامين التعديل الدستوري الجزائري:

مس التعديل الدستوري: رئاسة الجمهورية، غرفتي البرلمان، المجلس الأعلى للقضاء، والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات

–  إضافة شرط المستوى التعليمي للمرشحين لمنصب الرئاسة

– تنظيم مراسم أداء اليمين الدستورية وفقا لترتيبات تنظيمية وتحديد الجهة التي يتم أداء اليامين أمامها    

– إتاحة إمكانية قيام الرئيس بإجراء انتخابات محلية مبكرة

– إمكانية تمديد فترة ولاية رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان) من 3 إلى 6 سنوات

–  تضمين بند انتقالي يُفعّل عند الحاجة لسدّ الفراغ الدستوري، وتوفير أساس للتجديد الجزئي   لأعضاء مجلس الأمة المنتخبين خلال ولايتهم الأولى بعد السنة الثالث

– تعديل مُقترح لتحسين الإطار التنظيمي للدورة البرلمانية العادية السنوية من خلال تقديم زمن افتتاحها إلى شهر سبتمبر، على أن تُختتم بعد عشرة أشهر

– إلغاء شرط الحصول على موافقة المجلس الأعلى للقضاء بشأن التعيينات في مناصب مُحددة أو في إطار التناوب السنوي لرؤساء المحاكم ومفوضي الدولة، لأن رئيس الجمهورية يترأس  هذا المجلس

– إعادة تنظيم تشكيل المجلس القضائي الأعلى بإلغاء ثلاث فئات: الأعضاء المعينون من رئيسي البرلمان، فئة ممثلي النقابات العمالية، وكذا رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان

–  ضمّ النائب العام في المحكمة العليا إلى المجلس القضائي الأعلى

– إحداث تغيير جوهري في مسؤوليات الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات المكلفة بإعداد وتنظيم ومراقبة الانتخابات، دون تحديد دورها الإشرافي، مع توسيع نطاق المسؤوليات الإشرافية وإسناد الإعداد اللوجستي والمادي للانتخابات التي كانت تشرف عليها لوحدها ليشمل الإدارة الرسمية مجددا

– تحديد مواعيد نهائية للامتثال للوائح الخاصة بالمؤسسات والهيئات التي طرأت عليها تغييرات في أنظمتها الأساسية أو تشكيلها 

التعديلات الدستورية.. بين تآكل القانون الدولي ورهان  

الصمود الداخلي 

في عالم يتجه تدريجيًا نحو فقدان بوصلته القانونية، حيث تتراجع فاعلية القانون الدولي في    ضبط التوازنات، وتُستبدل القواعد بمنطق القوة، تعود الجزائر إلى طرح سؤالها الدستوري من جديد. غير أن هذا السؤال، في سياق كهذا، لم يعد شأناً داخليًا صرفًا، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع عنوانها: كيف تصمد الدول حين يختل ميزان العالم؟ فمن أوكرانيا إلى غزة، مرورًا بمنطقة الساحل، وانتهاء بمنطقة الخليج، تتكاثر المؤشرات على أن النظام الدولي لم يعد قادرًا على حماية التوازنات كما كان يُفترض. بل إن ما يجري يكشف، في كثير من الأحيان، عن عجز واضح في فرض القواعد، أو حتى عن انتقائية في تطبيقها.. وفي ظل هذا الواقع، تصبح الدولة مطالبة أكثر من أي وقت مضى ببناء عناصر قوتها الذاتية، فهذا الاضطراب لا يقف عند حدود مناطق النزاع التقليدية، بل يمتد ليطال مناطق كانت تُصنَّف ضمن دوائر الاستقرار النسبي. ففي الخليج، تتصاعد مؤشرات إعادة تشكيل التوازنات، وسط توترات أمنية متزايدة، وتحولات في التحالفات، وتلميحات – مباشرة أو ضمنية – إلى إمكانية إعادة النظر في البنية الإقليمية القائمة.. هذه التطورات، وإن لم تبلغ بعد نقطة الانفجار، إلا أنها تعكس هشاشة متنامية في نظام إقليمي كان يُنظر إليه لسنوات على أنه أحد أعمدة الاستقرار في المنطقة، وفي هذا السياق الدولي والإقليمي المعقد، تُطرح التعديلات الدستورية في الجزائر، رسميًا، هي خطوة تقنية تهدف إلى تحسين فعالية المؤسسات وتعزيز انسجام المنظومة القانونية. غير أن التوقيت يمنحها دلالة أعمق، تتجاوز مجرد التصحيح القانوني، لتلامس سؤال الاستقرار في بيئة دولية مضطربة،  فالجزائر، التي تجد نفسها في محيط إقليمي متقلب، من الساحل إلى المتوسط، إلى الخليج، لا يمكنها أن تعزل إصلاحها الداخلي عن الضغوط الخارجية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لهذه التعديلات أن تسهم في توثيق الوحدة الوطنية وتعزيز القدرة على الصمود، في عالم لم يعد يضمن حماية أحد؟ 

القراءة الإيجابية ترى أن تقوية المؤسسات وتوضيح صلاحياتها من شأنه أن يعزز تماسك الدولة،    ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة التحديات، خاصة في ظل غياب ضمانات دولية حقيقية، فالدول التي لا تمتلك جبهة داخلية صلبة، غالبًا ما تتحول إلى ساحات مفتوحة للتجاذبات الخارجية.. غير أن قراءة أخرى تدعو إلى الحذر، وتطرح تساؤلًا لا يقل أهمية: هل يمكن تحقيق الصمود عبر تركيز السلطة، أم أن التماسك الحقيقي يمر عبر توسيع المشاركة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع؟ بمعنى آخر، هل الوحدة تُبنى من الأعلى، أم تُصنع من توازنات داخلية حقيقية..؟ وهنا، تتقاطع التجربة الوطنية مع دروس الواقع الدولي، فالعالم اليوم يُظهر أن الدول الأكثر صمودًا ليست بالضرورة الأكثر صرامة، بل تلك التي نجحت في بناء عقد داخلي متماسك، يجعل من المجتمع شريكًا في حماية الدولة، لا مجرد متلقٍ لقراراتها. 

إن التعديلات الدستورية، مهما كانت طبيعتها، لا يمكن أن تحقق هدفها إذا بقيت حبيسة النصوص. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بالقانون، بل تُبنى بالثقة، والصمود لا يُختزل في قوة المؤسسات، بل في مدى تماسك المجتمع حولها. 

خاتمة: 

في ظل تآكل كهذا للقانون الدولي، وتراجع قدراته على حماية التوازنات، واتساع دوائر الاضطراب لتشمل العالم كله، تجد الدول نفسها أمام خيار حاسم: إما أن تعيد بناء قوتها من الداخل، أو أن تظل عرضة لتقلبات الخارج. وفي هذا الإطار، تطرح التعديلات الدستورية في الجزائر سؤالها الأعمق: هل ستكون هذه التعديلات مدخلًا لتكريس وحدة وطنية حقيقية تعزز القدرة على الصمود، أم تبقى مجرد استجابة شكلية لواقع يتغير بسرعة؟ 

الجواب، كما في كل مرة، لن يكون في النص، بل في كيفية تحويل النص إلى عقد وطني حي، قادر على مواجهة عالم لم يعد يعترف إلا بالأقوياء، ففي النهاية، لا يمكن الحكم على أي تعديل دستوري من خلال نصوصه فقط، بل من خلال ما يفتحه من آفاق، أو ما يغلقه من احتمالات. وفي هذا المعنى، تبقى التعديلات الحالية اختبارًا جديدًا لقدرة الجزائر على تحويل الإصلاح من شعار إلى ممارسة، ومن نص إلى واقع.

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.