بصدور المرسوم الرئاسي رقم 25-218 بتاريخ 4 أوت 2025، رفعت الجزائر تحفظها عن الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). رغم أن هذه الخطوة تبدو على السطح مجرد إجراء قانوني، فإنها تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واجتماعية ورمزية عميقة، تجعلها نقطة تحول محورية في مسار تعزيز حقوق المرأة في الجزائر.
من التحفّظ إلى المراجعة
حين صادقت الجزائر على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1996، أبقت على عدد من التحفظات، أبرزها الفقرة الرابعة من المادة 15، التي تنص على:
“تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكنهم وإقامتهم.”
هذا التحفّظ لم يكن موقفًا شكليًا، بل انعكاسًا لبنية اجتماعية وثقافية راسخة، ترجمتها النصوص الوطنية، خاصة قانون الأسرة، الذي منح الزوج صفة “رئيس العائلة”، ما أكسبه سلطة تقريرية في شؤون السكن والإقامة. وبهذا، ظل حق المرأة في اختيار محل إقامتها مقيدًا بالنصوص القانونية والأعراف الاجتماعية.
إلغاء التحفظ بعد أكثر من تسعة وعشرين عامًا يضع الجزائر في موقف أكثر توافقًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويرسل رسالة واضحة بأنه لم تعد حقوق المرأة قابلة للمساومة بين القوانين الوطنية والالتزامات الدولية. القرار يعترف بحق المرأة الكامل في اتخاذ قرارات مصيرية تخص حياتها الأسرية، ويعيد النظر في الأدوار التقليدية داخل الأسرة التي حدّت من استقلاليتها لعقود طويلة.
دور المجتمع المدني في تعزيز حقوق المرأة
جاء القرار بعد تراكم جهود طويلة للجمعيات النسوية ومنظمات المجتمع المدني، التي لعبت دورًا محوريًا عبر الترافع القانوني، تنظيم الحملات الوطنية، وإعداد تقارير موازية عُرضت على لجنة سيداو. هذه الجهود شكّلت ضغطًا سياسيًا ومعنويًا مهمًا دفع الدولة لمراجعة موقفها بعد سنوات من الجمود.
يبقى استمرار هذا الدور الرقابي والتوعوي أمرًا حيويًا لضمان أن لا يظل رفع التحفظ مجرد خطوة رمزية، بل يُترجم إلى سياسات وممارسات عملية تعزز استقلالية المرأة وحقوقها داخل الأسرة والمجتمع.
الخطوة القانونية هذه لن تحقق المساواة الحقيقية إلا إذا ترافقت مع إصلاحات فعلية في قانون الأسرة، الذي لا يزال يحتوي على مواد تكرّس التمييز الهيكلي ضد المرأة. يبقى السؤال المحوري: كيف سيتعامل القضاء مع النزاعات الأسرية بعد رفع التحفظ؟ هل ستصبح روح الاتفاقية المعيار الأعلى، أم ستظل بعض المحاكم خاضعة لضغوط الأعراف والتقاليد؟
نجاح هذه الخطوة يعتمد على إرادة سياسية قوية لمراجعة شاملة لقانون الأسرة، وقدرة المؤسسات القضائية على تكييف أحكامها بما يتماشى مع الاتفاقية الدولية، بعيدًا عن الأعراف الاجتماعية التي غالبًا ما تُستخدم لتبرير التمييز.
المساواة الحقيقية تتطلب دمج مفاهيم العدالة الجندرية في جميع مستويات صنع القرار داخل الأسرة، وفي السياسات العمومية والتعليم والثقافة المجتمعية. هذا الإنجاز يمثل انتصارًا قانونيًا ورمزيًا للمرأة الجزائرية، لكنه ليس نهاية الطريق؛ فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا المكسب إلى واقع يومي ملموس عبر إصلاحات شاملة وسياسات تربوية وثقافية تعيد الاعتبار لمكانة المرأة وتكافؤ حقوقها.