بالتزامن مع شهر أكتوبر “الوردي”، نخصص اليوم الحديث عن واقع المرض ومخلفاته وطرق التفوق عليه في الجزائر والعالم، الجزائريات خاصة في سرطان الثدي يعانين معاناة قاسية سواء من حيث العلاج، أو من حيث توفر الأدوية أو من حيث الوقع الإجتماعي المتزامن مع المرض خاصة على السيدات المتزوجات، وهذه الأخيرة واحدة من أبرز قصص المعاناة في خلال السنوات الأخيرة. فرغم النجاحات المحققة في المجال الطبي عبر العالم، حيث كان ينظر إلى هذا الداء“سرطان الثدي” في الماضي عن كونه مرضا واحدا، غيّرت الأبحاث العلمية اليوم هذه النظرة جذريا، وفتحت الباب أمام تشخيص أكثر دقة وعلاجات أكثر تخصصًا.. فكيف تطور فهم الأطباء لهذا المرض؟ وما الذي تغيّر بالنسبة للمريضات اليوم..؟
لكن: هل هذه العلاجات كافية للشفاء؟
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا، وهي في رأيي أهم نقطة في الموضوع كله، خاصة وأن المرض لا يكتشف في الغالب إلا بعد أن يستشري في الجسم، إما لكونه يجيد الإختفاء أو لعدم وعي المريض. لذلك يعتقد إمكانية الشفاء منه إلى حد كبيرفي المراحل المبكرة
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن سرطانات الثدي المكتشفة مبكرًا والتي لقيت العلاج المناسب، لديها احتمال مرتفع للشفاء.
وفي بيانات SEER الأمريكية الحديثة، بلغ البقاء النسبي لخمس سنوات، أي أكثر من 99% للمرض الموضعي، مقابل 87% عندما يصل المرض إلى العقد والمناطق المجاورة، وينخفض إلى نحو 32% عند وجود نقائل بعيدة..مما يطرح جوابا علميا واضحا وهو أن: العلم يستطيع في عدد كبير جدًا من الحالات المبكرة أن يحوّل سرطان الثدي من مرض قاتل إلى مرض قابل للعلاج والشفاء.
أما في المرحلة الرابعة، فالصورة مختلفة، إذعندما ينتشر السرطان إلى العظام أو الكبد أو الرئتين أو الدماغ، يصبح العلاج في الغالب علاجًا للسيطرة على المرض وإبطاء تطوره وإطالة الحياة وتحسين نوعيتها، وليس علاجًا شافيًا بالمعنى التقليدي.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن المرحلة الرابعة أصبحت بلا أمل؛ فبعض المريضات يمكن أن يعشن سنوات طويلة مع مرض منتشر مضبوط جيدًا، وتختلف النتائج بدرجة كبيرة حسب نوعية المرضى والنوع الجزيئي للمرض وأهم شيء هواستجابة الورم للعلاج.. وهنا تظهر إحدى أكبر حدود العلم الحالية: مقاومة العلاج وعودة المرض والنقائل.
إذن، ما الذي يجعل العلاجات الموجودة لا تكفي وحدها للحد من هذا المرض..؟
لأن المعضلة في العالم، وفي الجزائر خصوصًا، مثلما أشرت سابقا، تبدأ أحيانًا قبل الوصول إلى العلاج.. حيث أكدت الدراسة الجزائرية متعددة المراكز التي شملت 6,044 مريضة مشخصة عام 2024 في 23 مركزًا للأورام وجدت أن:
- 67.72% من الحالات اكتُشفت بواسطة الفحص الذاتي.
- ولم تمثل الحالات المكتشفة عبر التحري المنظم إلا 4.17%.
- كان 15% من المريضات مصابات بنقائل بعيدة عند التشخيص.
- وبلغت الأورام المتقدمة محليًا T4 نحو 26.3%.
- وكان الوسيط الزمني من التشخيص إلى بدء العلاج 50.5 يومًا.
المهم في هذه الدراسة، وما قدمته من أرقام ومعطيات، أنها تكشف عن المشكلة التي لا تختزل فقط في سؤال عادي”هل توجد أدوية؟”، وإنما أيضًا في سؤال أعمق، وهو”متى اكتُشف السرطان؟ ومتى تأكد التشخيص؟ ومتى بدأ العلاج؟ وهل توافرت كل مراحله؟”.
وهذه الأسئلة الصعبة، التي أصبحت تطرح الآن كثيرا في الجزائر، تتوافق تمامًا مع الاستراتيجية العالمية لمنظمة الصحة العالمية، التي تستهدف: تشخيص 60% على الأقل من السرطانات الغازية في المرحلتين الأولى أو الثانية، وإتمام التشخيص خلال 60 يومًا، وإتاحة العلاج المتعدد الوسائط لما لا يقل عن 80% من المريضات.
المفارقة العلمية التي لا يمكن إلا أن تتم صياغتها على الشكل التالي:
لم يعد العلم عاجزًا أمام سرطان الثدي كما كان من قبل؛ لكنه لم ينتصر عليه بالكامل..؟ لقد انتقل من مرحلة البحث عن “علاج للسرطان” إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: أي إلى البحث عن علاج كل سرطان وفق خصائصه، والعمل على منعه من الانتشار، والعمل على اكتشافه قبل أن يصبح أخطر، وضمان وصول المريضة إلى العلاج في الوقت المناسب.

وهذا يفسر لماذا نجد في الدول ذات الأنظمة الصحية القوية معدلات بقاء تتجاوز 90%، بينما تهبط بصورة حادة في مناطق فقيرة أو ضعيفة الموارد، أو يسيطر عليها الجهل والأمية الصحية.. لذلك فإن منظمة الصحة العالمية تشير إلى التأخر في التشخيص والنقص في خدمات التشخيص والعلاج، مما يعقد من تفاقم أهم أسباب هذه الفجوات.
هل استطاع العلم إيجاد حلول لسرطان الثدي..؟
يمكن أن نجيب بنعم، وبدرجة كبيرة جدًا، لكن ليس على شكل “دواء واحد يقضي على المرض”. فالعلم الحديث لم يعد يتعامل مع سرطان الثدي كمرض واحد؛ بل يحدد نوع الورم ومرحلته ومستقبلاته الجزيئية، وخصوصًا ER وPR وHER2، وبناءً عليها يختار العلاج.. فاليوم توجد عدة عائلات علاجية رئيسية: كالجراحة والعلاج الإشعاعي لعلاج الورم موضعيًا، مع الحفاظ على الثدي في حالات كثيرة بدل استئصاله كاملًا. ثم يأتي العلاج الهرموني للأورام الحساسة للهرمونات.. ثم العلاجات الموجهة ضد HER2، التي أحدثت تحولًا كبيرًا في علاج الأورام HER2-positive. وهناك مثبطات CDK4/6 والعلاجات الموجهة الأخرى في بعض سرطانات الثدي الحساسة للهرمونات.. والأهم من كل ذلك هو العلاج المناعي، ولا سيما pembrolizumab في حالات مختارة من السرطان ثلاثي السلبية.. وهناك ما يعرف بمثبطات PARP مثل olaparib وtalazoparib لبعض المريضات اللواتي يحملن طفرات BRCA1/2.



كما هناك إشادة قوية بالأجسام المضادة المرتبطة بأدوية قاتلة للخلايا (Antibody-Drug Conjugates)، ظهرت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما وسع من دائرة المرضى الذين يمكن استهداف أورامهم بهذه العلاجات، بما في ذلك بعض الأورام المصنفة HER2-low. وهو ما يجعل اليوم، الترسانة العلاجية العلمية أقوى بكثير مما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة عقود.
حوصلة علمية أولية عن سرطان الثدي في الجزائر والعالم
- حجم المشكلة عالميًا: سرطان الثدي هو أكثر السرطانات تشخيصًا لدى النساء في العالم. ووفق أحدث تقديرات لمنظمة الصحة العالمية، سُجل في عام 2024 نحو 2.4 مليون تشخيص جديد وقرابة 694 ألف وفاة بسببه، مع تقدير وجود نحو 8.2 مليون امرأة يعشن مع تشخيص سرطان الثدي خلال السنوات الخمس السابقة.
وللمقارنة المنهجية مع أرقام الجزائر، تُظهر تقديرات GLOBOCAN لعام 2022 نحو 2.30 مليون حالة جديدة و666 ألف وفاة عالميًا.
لكن الرقم الأكثر دلالة علميًا ليس عدد الحالات وحده، وإنما الفجوة في البقاء. ففي الدراسة العالمية الجديدة التي نشرتها Nature Medicine في يوليو 2026 لحساب منظمة الصحة العالمية، بلغ متوسط / وسيط البقاء الصافي لخمس سنوات للنساء المشخصات بين 2017 و2021 نحو 77.8% عالميًا، لكنه تراوح بشدة بحسب مستوى الدخل: 87.3% في البلدان ذات الدخل المرتفع، مقابل 41.9% في البلدان منخفضة الدخل.. وهذا يقودنا إلى تأكيد استنتاجنا السابق، البالغ الأهمية: وهو أن سرطان الثدي لم يعد مشكلة بيولوجية فقط؛ بل إنه أيضًا مشكلة عدالة اجتماعية وصحية.
ماذا تقول الأرقام عن الجزائر؟
بحسب أحدث بطاقة للوكالة الدولية لأبحاث السرطان IARC/GLOBOCAN الخاصة بالجزائر لعام 2022 فإن مؤشرات الجزائر هي كالتالي:
| المؤشر | الجزائر |
| حالات سرطان الثدي الجديدة | 14,601 |
| نسبة سرطان الثدي من جميع السرطانات لدى النساء | 41.3% |
| الوفيات | 4,893 |
| الحالات الموجودة خلال الخمس سنوات السابقة | 47,259 |
| معدل الإصابة المعياري للعمر لدى النساء | 61.9 لكل 100 ألف |
| معدل الوفيات المعياري للعمر لدى النساء | 20.8 لكل 100 ألف |
ويرتب سرطان الثدي، السرطان الأول لدى النساء في الجزائر من حيث الإصابة والوفاة.. وهنا لابد من الإشارة إلى ملاحظة منهجية مهمة جدًا عند الكتابة الصحفية: أرقام الإصابة الجزائرية في GLOBOCAN ليست تعدادًا وطنيًا مباشرًا لكل الحالات؛ فهي مبنية على بيانات سجلات سرطان محلية، منها سطيف والجزائر وباتنة وتلمسان، ثم جرى تعميمها على السكان. أما الوفيات فتم تقديرها بالنمذجة. وأهم معلومة أشارت إليها، ولأول مرة، منظمة الصحة العالمية في عام 2026، حيث أصدرت تقديرات للبقاء لخمس سنوات لكل الدول الأعضاء تقريبًا للفترة 2017–2021، جاءت مهمة جدا بالنسبة إلى الجزائر، فقد قُدّر البقاء الصافي لخمس سنوات عند 45.8%، مع مجال عدم يقين بين 33.1% و57.6%. أما آخر تقدير رصدي منشور في السجل المستخدم للتحليل فكان 31.6% للفترة 2008–2012، وهو تقدير فرعي وليس قياسًا وطنيًا حديثًا.
وهذا الرقم يحتاج إلى حذر شديد في عرضه:لأن 45.8% لا تعني أن 45.8% فقط من المريضات الجزائريات “يُشفين”؛ بل هي مؤشرات بقاء سكاني معيارية لمدة خمس سنوات، كما أن تقدير WHO لعام 2017–2021 نموذجي، وليس سجلًا وطنيًا مباشرًا.
والخلاصة المهمة التي استخلصناها من كل هذه النقاشات والدراسات تحيلنا إلى أن فشل الطب في البحث عن علاجات متجاوبة مع سرعة انتشار المرض، ولا أنه عجز عن إيجاد الحل النهائي؛ ولكن الحقيقة هي أن: السرطان المنتشر ومقاومة العلاج، إلى جانب التأخر في التشخيص وعدم تكافؤ الوصول إلى العلاج، ما زالت تمثل الحدود الكبرى للانتصار العلمي.. وهو وإن أمرا تشاؤميا خاصة بالنسبة للمرضى، إلا أنه يمكن القول أن سرطان الثدي قد أصبح في نسبة كبيرة من حالاته مرضًا قابلًا للشفاء، وفي حالات أخرى مرضًا يمكن التحكم فيه لسنوات.. لكن سؤالا ملحا يبقى مطروحا، وهو وأعتقد أن هذا الرقم الجزائري 45.8% للبقاء لخمس سنوات في تقدير WHO لعام 2026، مقابل 87.3% في البلدان مرتفعة الدخل، يطرح سؤالًا يتجاوز الطب نفسه: هل المشكلة في المرض، أم في قدرة النظام الصحي بالجزائر على الوصول إليه في الوقت المناسب؟ رغم الإجتهادات المتواترة، حيث تم إنشاء 18 مركزا جديدا لمكافحة السرطان، وتجهيز عيادات متنقلة للكشف المبكر عن سرطان الثدي في عام 2025… وهي الخلاصة القوية التي نخرج بها من هذا المقال: «سرطان الثدي… حين ينجح العلم ويتأخر الطب في الوصول إلى المرضى..؟ ».
