“المونديال… هل ستصبح الهزيمة امتحانًا للوعي 

لماذا تحاسب الشعوب منتخباتها أكثر مما تحاسب مؤسساتها؟  

لماذا تتحول مباراة كرة قدم إلى قضية هوية وطنية؟  

ولماذا يستطيع حدث رياضي واحد أن يجمع ملايين الناس على شعور واحد، مهما اختلفت آراؤهم؟ 

عندما سيُسدل الستار على المونديال، سيبقى في ذاكرة العالم اسم منتخب واحد حمل الكأس.. لكن ذاكرة الشعوب لا تُبنى بالكؤوس وحدها، بل بما تتركه التجارب من ثقة، وما تزرعه من أحلام، وما تصنعه من إيمان بأن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة، ثم بأخرى، ثم بأخرى 

لهذا، فإن الجزائر لم تغادر المونديال وهي تحمل خيبة الإقصاء فقط، بل حملت معها خبرة المنافسة، وصورة جمهور عرف كيف يشجع باحترام، وصداقات وُلدت بعيدًا عن لغة السياسة، وأملًا جديدًا لدى جيل يرى أن الوصول إلى أكبر المحافل العالمية لم يعد حلمًا بعيدًا 

قد يكون الكأس من نصيب منتخب واحد، لكن البطولة، في معناها الأعمق، تمنح كل أمة بقدر ما تحسن أن تقرأ تجربتها. ومن يحسن قراءة دروسه اليوم، قد يكون هو من سيكتب قصة انتصاره غدًا 

“الهزيمة التي لا تُقاس بالأهداف” 

ليست كل هزيمة خسارة، كما ليست كل انتصار نجاحًا. ففي الرياضة كما في حياة الأمم، توجد نتائج تُسجل على لوحة الملعب، ونتائج أخرى تُكتب في ذاكرة الشعوب.. فبخروج المنتخب الوطني من المونديال، امتلأت الشاشات بلقطات الحزن، كما امتلأت مواقع التواصل بعبارات العتب، وكأن رحلة كاملة اختُزلت في تسعين دقيقة.. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: لماذا خسر المنتخب؟ بل: ماذا تقول لنا هذه الخسارة عن علاقتنا بالنجاح؟ 

لقد اعتدنا أن نقيس الإنجاز بالنتيجة النهائية، بينما تعلمنا الرياضة نفسها أن الطريق إلى البطولات مليء بالإقصاءات والهزائم والتجارب القاسية. فلا يوجد منتخب كبير لم يتذوق مرارة الخروج، ولا مشروع رياضي حقيقي وُلد كاملًا منذ أول مشاركة.. ربما كانت القيمة الأهم لأي مشاركة في كأس العالم أنها تضع الفريق أمام أعلى مستويات المنافسة، حيث لا تكشف المباريات مواطن القوة فقط، بل تكشف أيضًا نقاط الضعف التي لا تظهر في المنافسات الأقل صعوبة. ومن هنا تصبح الهزيمة، مهما كانت مؤلمة، فرصة للمراجعة أكثر منها مناسبة لليأس. 

ولعل الجماهير الجزائرية، بما عُرفت به من شغف ووفاء، قادرة على تحويل خيبة اللحظة إلى طاقة للمساندة، لأن المنتخب لا يحتاج بعد الخسارة إلى جلد الذات بقدر ما يحتاج إلى قراءة هادئة، وإلى مشروع يستفيد من الدروس بدل أن يدفنها تحت وطأة الانفعال. 

إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي لا تخسر، بل تلك التي تعرف كيف تجعل من كل تعثر خطوة نحو مستوى أفضل. أما الاكتفاء بتوزيع الاتهامات بعد كل إخفاق، فهو لا يصنع فريقًا أقوى، ولا مستقبلًا رياضيًا أكثر إشراقًا، ولهذا، فإن صافرة نهاية المباراة قد تكون نهاية المنافسة، لكنها ينبغي ألا تكون نهاية الحلم. فالحلم الذي يتوقف عند أول هزيمة ليس حلمًا، وإنما أمنية عابرة. أما الحلم الحقيقي، فهو ذلك الذي يعود في كل مرة أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على تحويل الدرس إلى إنجاز. 

“فمع نهاية كل مونديال، تتجه أنظار العالم نحو الفريق الذي يرفع الكأس، بينما تغادر المنتخبات الأخرى الملاعب بصمت. غير أن الحقيقة التي تغيب وسط احتفالات التتويج، هي أن البطولة لا تترك أثرها في البطل وحده، وإنما في كل من شارك في صناعتها.” 

Related posts

انتخابات البرلمان في الجزائر هل ستحقق الحلم..؟ 

وقف إطلاق النار في الخليج … هل نحن أمام نهاية حرب أم أمام إعادة ترتيب للصراع؟

بين أنقرة والساحل والشرق الأوسط المشتعل..   ماذا تريد الجزائر من تركيا..؟

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Read More