ماذا يجري في العالم، هل أصبح تغير المناخ – مشكلة تتجاوز الحدود..؟ 

    نعم، إن ما يجري  في العالم اليوم لم يعد مجرد قضية بيئية. فتغيّر المناخ أصبح مسألة تمسّ الغذاء والماء والصحة والاقتصاد، بل وحتى الاستقرار الاجتماعي والهجرة والأمن الوطني في كل المجتمعات.. والمشكلة، هي ليست أننا لا نعرف ما ينبغي فعله؛ بل إن العالم يعرف كثيرا، ولكنه ما يزال  يتصرف  منفردا وقليلا.. لأنه ما زال عاجزًا عن تحويل المعرفة إلى قرار سياسي واقتصادي جماعي سريعا وعادلا.

   إن معالجة تغيّر المناخ يجب أن تقوم، في تقديري، على فكرتين متلازمتين: منع تفاقم الأزمة، والتعلم في الوقت نفسه في كيفية التعايش مع آثار الأزمة التي تجاوزت بالفعل قدرات الدول منفردة..؟ فكيف الوصول إلى التعامل مع هذه الإشكالية إذن..؟ وحتى نتمكن من الإجابة على ذلك، علينا أن نعترف بأن ما نعيشه اليوم هو أزمة حقيقية يصعب التحكم فيها ونحن متفرقين.. ولذا لابد من: –

أولاً: التمييز بين «الحدّ من الأزمة» و«التكيّف معها»:

    الحدّ من التغيّر المناخي يعني تخفيض الانبعاثات الذي يزيد من حرارة الأرض: والالانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية والرياح، رفع كفاءة استهلاك الطاقة، تطوير النقل الجماعي والكهربائي، تقليص انبعاثات الميثان، وحماية الغابات والتربة والأنظمة البيئية. وهو ما تؤكده الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التي ترى أن: “كثيرًا من هذه الحلول متاح تقنيًا ويمكن تطبيقه على نطاق واسع”.  

    أما التكيّف، فهو الاستعداد مع عالم أصبح أكثر حرارة وتقلبًا: يتطلب نظرة جديدة في هندسة البنى التحتية وهيكلة المدن من أجل تسهيل حمايتها من الفيضانات والحرائق وموجات الحر، مع القيام ببحوث علمية وتكنولوجية سريعة من أجل  مقاومة الجفاف وتطوير الزراعة وترشيد المياه، أي إيجاد رؤية جديدة لبناء بنية تحتية أكثر صلابة، ووضع أنظمة إنذار مبكر، ونتجاوز القول بأننا «سنخفض الانبعاثات»، لأن ملايين البشر يعيشون اليوم بالفعل آثار الجفاف والحرائق والفيضانات وندرة المياه.

ثانيًا: يجب أن تصبح القضية جزءً من مفهوم الأمن الوطني:

     في بلدان كالجزائر، التي تعاني هذه الأيام من حرائق مهولة أخذت أرواحا بريئة كانت تغط في نوم عميق ترى العالم من خلال أحلامها التي لا تنتهي لم تؤذ أحدا، ولم تخترق قانونا، لكنها فجأة أصبحت ضحية، مشردة، منتهكة في خصوصيتها، محرومة من حقوقها الطبيعية..؟ ونحن إذ نتضامن معها، فإننا بالفعل نتألم لآلامها، مثلما نتألم لتجريد طبيعتنا الخلابة من خضرتها وحيواناتها وطيورها إن لم نقل لكل إنسانيتها الجميلة، في هذه الحالة المتكررة، لا ينبغي للجزائر أن تتعامل مع المناخ باعتباره ملفًا خاصًا بوزارة الداخلية أو بالبيئة وحدها، بل يجب تبنيه من كل الهيئات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع كثير من العناوين منها:- الأمن المائي؛ الأمن الغذائي؛ الصحة العامة؛ التخطيط العمراني؛ الطاقة؛ الزراعة؛ الوقاية من الكوارث؛ بل وحتى الهجرة والاستقرار الاجتماعي.  

   إن الجزائر، ورغم، ظروفها التنموية المتشعبة، قد كانت سباقة في وضع خطة وطنية للمناخ، تعمل فيها على مواجهة مشكلتي التصحر وتدهور الأراضي، وهي تحديات خاصة يفرضها عليها موقعها الجغرافي. وطبيعة التشكيلة السكانية النشطة، التي سرعت الدولة لانتهاج استراتيجية مائية تهدف إلى تنويع الموارد عبر تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة، إلى جانب تحسين إدارة الموارد المتاحة.  

   لكن، ورغم ذلك المجهود، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجزائر لا يكمن فقط في وضع الخطط، بل في سرعة التنفيذ، والقدرة على الظبط الجيد لعملية التنسيق بين الأطراف والمؤسسات المعنية، والصرامة القبلية والبعدية في الربط المنهجي للتخطيط المناخي من حيث السياسات المنتهجة والقرارات الاقتصادية اليومية، مع الأخذ في الإعتبار تحديات الحروب الهجينة المفاجئة التي تستغل الظروف الطبيعية أو المناخية أو حتى السياسية للظغط عليها .

الارقام الرسمية تتحدث

 خلال الفترة 2004–2024، بلغ متوسط ما أنفقته الدولة الجزائرية بعد وقوع الكوارث، في      إطار التدخل المرتبط أساسًا بالفيضانات والزلازل وحرائق الغابات، نحو 38 مليار دينار سنويًا، بحسب وزارة الداخلية وتشير التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالكوارث قد تصل في المتوسط إلى نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وهو مستوى يقارب ضعف المتوسط التاريخي حيث بلغت تكلفة الأضرار الناجمة عن حرائق الغابات في سنة 2023 وحدها نحو 4.5 مليار دينار، وفق تصريح المندوب العام للأخطار الكبرى بوزارة الداخلية، كما   يذكر صندوق النقد الدولي: أن الجزائر قد شهدت ما لا يقل عن 42 حلقة فيضانات شديدة منذ بداية الثمانينيات، وأن 99% من المساحات الغابوية تقع ضمن درجات خطر حرائق مرتفعة أو متوسطة، كما يشير إلى أن الجفاف والحرارة مرشحان لزيادة خطر الحرائق مستقبلًا.. وفي سنة 2024، اضطرت الحكومة إلى إطلاق عمليات عاجلة لإحصاء الخسائر والأضرار الناجمة عن فيضانات أصابت عدة ولايات، مع تعويض الأسر وإصلاح الطرق والخدمات العمومية المتضررة، وهنا تظهر خصوصية الجزائر: إنها تواجه خطرًا مركبًا. فالشمال الذي يتركز فيه معظم السكان والأنشطة الاقتصادية معرض للفيضانات والحرائق والضغط العمراني، بينما يواجه البلد في الوقت نفسه الجفاف وتراجع انتظام التساقطات والتصحر والضغط المتزايد على الموارد المائية، بل إن المعطيات الرسمية تشير إلى أن التغير المناخي قد يهدد بصورة غير مباشرة قاعدة الإنتاج نفسها: فالمنطقة المعتدلة في الجزائر تضم نسبة كبيرة من السكان والثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي، ما يجعل توسع الجفاف والتصحر قضية اقتصادية واجتماعية، لا مجرد قضية بيئية.

ثالثًا: العالم بحاجة إلى عدالة مناخية:

   الدول الأكثر هشاشة أمام الجفاف والفيضانات والحرارة ليست بالضرورة هي تلك الدول التي صنعت الجزء الأكبر من المشكلة تاريخيًا. ومع ذلك، تجد نفسها مطالبة بتمويل السدود، وتحلية المياه، وحماية المدن، وإنقاذ الزراعة.. حيث تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن احتياجات الدول النامية للتكيّف قد تبلغ بين 310 و365 مليار دولار سنويًا بحلول عام  2035، في حين كانت تدفقات التمويل الدولي العام للتكيّف أقل بكثير، عند نحو 26 مليار دولار في عام 2023. أي أن فجوة التمويل هائلة، وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات عصرنا..؟ وهي: إنه لا يمكن أن يكون الحل العالمي مجرد نصائح للدول الفقيرة لكي «تتأقلم». فالتكيّف يحتاج إلى تمويل وتكنولوجيا وتعاون دولي، وليس إلى قروض جديدة تزيد أعباء البلدان الأكثر هشاشة.

رابعًا: لا بد من تغيير طريقة تفكيرنا في التنمية:

   تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025 يرسم صورة مقلقة: حتى مع التنفيذ الكامل للتعهدات المناخية الحالية، والذي لا يزال فيها العالم بعيدًا عن أهداف اتفاق باريس، مكتفيا بتقديرات لمسار احترار يتراوح تقريبًا بين 2.3 و2.5 درجة مئوية، بينما تشير السياسات القائمة إلى نحو 2.8 درجة خلال هذا القرن. لكن التقرير يؤكد في الوقت نفسه، أن التكنولوجيا والحلول الأساسية موجودة؛ المشكلة الكبرى هي سرعة التنفيذ والإرادة السياسية والاستثمار وأيضا في طريقة تعامل العالم مع هذا الكون، فلطالما تعاملنا مع التنمية وكأن الطبيعة مورد لا ينفد.. ننتج أكثر، نستهلك أكثر، نبني أكثر، ونهدر أكثر، ثم نكتشف أن تكلفة إصلاح الضرر أصبحت أكبر من تكلفة الوقاية منه.

فما العمل إذن؟ الجواب ببساطة هو أنه يمكننا مواجهة الأزمة المعلنة بخارطة طريق مستجدة ذات أولويات خمس:-

  1. تسريع التحول الطاقوي
    ليس كشعار بيئي، بل باعتباره قضية استقلال اقتصادي وأمن طاقوي.
  2. إعلان الماء قضية استراتيجية
    خصوصًا في شمال إفريقيا: تحلية، إعادة استعمال المياه، إصلاح شبكات التوزيع، تطوير الري، ومحاربة الهدر.
  3. بناء مدن قادرة على الصمود
    مدن أكثر خضرة، أقل هشاشة أمام الحرائق والفيضانات، وأفضل في إدارة الحرارة والمياه.
  4. حماية الزراعة والغذاء
    البحث العلمي بتسريع الذكاء الإصطناعي، البذور المقاومة للجفاف، تحديث الري، وحماية التربة.
  5. إشراك المجتمع
    لا يمكن للدولة وحدها أن تنجح إذا بقي المواطن يعتبر الماء والطاقة والنفايات مسائل لا علاقة لها به. المدرسة والإعلام والجمعيات والبلديات كلها جزء من الحل إذا كان المجتمع واعيا، وإذا عملت الدولة على استيعابه.

ولكن يبقى السؤال الذي يجب الإجابة عنه وهو ما يتعلق بالقضية الأهم “العالقة” :

  هل نحن نتعامل مع تغيّر المناخ باعتباره أزمة مستقبلية، أم باعتباره واقعًا حاضرًا يجب أن يعيد تشكيل سياساتنا الوطنية..؟ لأن ما يحدث في العالم اليوم، يفضح بوضوح بأن قضايا المناخ المطروحة سابقا في المؤتمرات الدولية. قد تجاوزتها الأحداث فدخلت بيوتنا، وحقولنا، وأثرت على أسعار غذائنا، ومصادر مياهنا، وصحتنا، واقتصاداتنا.. إنها في الحقيقة ليست أزمة بيئة وحدها، بل أزمة نموذج كامل من الحياة التنموية والحكم والتعاون الدولي..؟ل كنها تبقى إجابة فضفاضة يخترقها سؤال آخر أكثر أهمية وهو:”حين يصبح المناخ قضية أمن وطني: فهل نحن مستعدون لعالم أكثر حرارة..؟”

         أعتقد أن فكرة تغيّر المناخ أصبحت الآن أكثر وضوحًا: فهي ليست فقط قضية حرارة أعلى، أو أمطارً أقل، أو فيضانات جارفة، أو حتى حرائق مهولة، بل لقد أصبح تغير المناخ تحولًا كاملا في كل مسار الطبيعة، وهو ما يفرض إعادة التفكير في ميزانيات الدول، وسياسات التنمية، وتوسيع التأمين وتطويره، بما يتلاءم وتطوير الزراعة، والمياه، والتخطيط العمراني.. وقد تكون الفكرة التي وصلنا إليها في هذا النقاش، متجاوزة لتغيّر المناخ كونه مجرد تهديد للطبيعة، بل أصبح تهديدًا أيضا لميزانيات الدول نفسها. وبينما يدفع المواطن ثمن الكارثة بفقدان بيته أو مزرعته، تدفع الدولة فاتورة التعويض وإعادة البناء.. ويكفي أن التجارب المطروحة سواء في الحالة الجزائرية أو العالمية، المسجلة في الخسائر المالية، والضحايا، والقرى والمزارع التي اختفت، تفرض تفكيرا استباقيا…؟

: حجم التحول البيئي في مدة ثلاثة أعوام    

في سنة 2023 مثلت الخسائر الاقتصادية العالمية لكوارث طبيعية قدرت بنحو 280 مليار دولار و58 ألف وفاة من بينها زلزال تركيا وسوريا، وفي عام 2024 مثلت الخسائر 24195 إلى 368 مليار دولار، كما شملت ما بين 11 و16753 ألف وفاة، ضمن 393 كارثة مسجلة أثرت على 1672 مليون شخص، وفي سنة 2025، سجلت خسائر بنحو224 مليار دولار ونحو 17200 وفاة، ارتبطت 95 في المائة منها بالكوارث الطبيعية، وخلال ثلاث سنوات فقط، ما لحق بالعالم من كوارث، وخسائر اقتصادية قدرت بترليون دولار، وقد تم رصدهذه الأرقام من قواعد بحث محتسبة مثل: منيتش كوم، وأم داي   Munich Re, EM-DAT et Suis com!

Related posts

ماذا يحدث للنساء في المجتمع العربي..؟ 

ما الذي تريده المغرب من تسهيل الهجرة إلى سبتة ومليلة الإسبانيتين…؟ 

انتخابات البرلمان في الجزائر هل ستحقق الحلم..؟ 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Read More