“الانتخاب ليس مجرد اقتراع… بل اختبار لقدرة المؤسسات على مواكبة عالم يتغير”
الديموقراطية كمفهوم سياسي اجتماعي ثقافي هي حلم مهما كان وزن الدولة العسكري أو االإقتصادي أو حتى معتقداتها الدينية.. باختصار هي حلم جميع الشعوب.. ولما كانت الإنتخابات محلية كانت أو تشريعية أو رئاسية، هي الآلية المثلى لتثبيت هذه الديموقراطية، متى اعتمدت أقصى ما يمكنها تطبيقه من الشفافية والمشاركة الشعبية والمجتمعية.. وأيضا ما يمكن تسخيره لتحقيق هذه السياسة من أدوات قانونية صارمة تضمن الحق والمساواة بين كل الأفراد المنتخبين أو المشاركين في العملية السياسية، فهل اكتملت لدينا الرؤيا السياسية في الجزائر، أحزابا ومؤسسات ومناضلين..؟
الانتخابات ليست نهاية المشهد… بل بدايته
في الظروف الإقليمية والدولية الحالية التي تعيشها الجزائر بترقب، وفي ظل تراجع الخطاب الإيديولوجي المحفز، وصعود الاهتمام بالمشكلات اليومية، وعلاقة الثقة المتواصلة بين المواطن والمؤسسات، تطرح بالضرورة الملحة كيفية تمكين مجلس الشعب من استعادة دوره الرقابي والتشريعي، وتحديد قدرة الدولة الجزائرية على امتلاك مؤسسة تشريعية قادرة على مواكبة مرحلة مليئة بالتحديات، تتطلب طرح كثير من التساؤلات لنقاش بعض الإنتظارات والتي على المواطن أن يدركها مسبقا، كالفروقات المؤثرة في العملية الانتخابية والتي تعمل على تجاوز العزوف المضطرد، معرفة لمن ينتخب الناخب الجزائري، هل يصوت للأشخاص أم يصوت للمؤسسات؟ وماذا تعني المشاركة…؟ بدلا من التركيز على نسبة المشاركة باعتبارها رقما.
إن القيمة السياسية للمشاركة لا تقاس فقط بعدد الناخبين، وإنما بمدى شعور المواطن بأن صوته قادر على التأثير في السياسات العامة للوطن، الأمر الذي يحيلنا على تحليل أعمق بعيدا عن الجدل المعتاد حول الأرقام وحول أهميتها، دون العمل على إهمالها بالطبع. فانتظارات المواطن من مجلس الشعب القادم مهمة جدا؟ مثلها مثل انتظارات الدولة؟ وكذلك انتظارات العالم الخارجي ؟ لكن، الجواب على هذه الأسئلة وحده هو ما قد يمكننا من معرفة قدرات مجلس الشعب القادم، بل ومعرفة جزء من قدرة الجزائر على إدارة هذه الملفات والتي أهمها:
أولا – الإنفتاج الديموقراطي داخل الوطن، الذي يتجاوز في عمقه الورقة الإنتخابية بكثير …؟
ثانيا – التحولات الأمنية الإستراتيجية على الحدود الغربية والشرقية وفي الساحل، الأزمة الليبية، الحرب في غزة، ولبنان وإيران، وإعادة تشكيل التوازنات في المتوسط، وتداعيات كل ذلك..
انتخابات الجزائريين لبرلمان 2026، انتخبوه في ظل عالم مختلف تماما: حروب مفتوحة، سباق على الطاقة، تحولات تكنولوجية كبرى، منافسة بين القوى الكبرى، اضطرابات اقتصادية دولية حادة… فهل يمتلك مجلس الشعب القادم الأدوات التشريعية والقيادية لمرافقة هذه التحولات…؟
“مجلس الشعب القادم… بين انتظارات المواطن وتحديات الدولة”، وهل هذه “الانتخابات التشريعية اختيارا لموقع الدولة في مرحلة التحولات الكبرى”…؟
هذا السؤال، في رأيي، أكثر عمقا واستمرارية من متابعة النتائج نفسها، لأنه يبقى صالحا حتى بعد إعلان الفائزين، ويفتح الباب لنقاش موضوعي حول أداء المؤسسة التشريعية ودورها في المرحلة المقبلة، بعيدا عن الانحياز لأي طرف، فالحلم السياسي ليس خيالا، وإنما هو ذلك القدر من الطموح الذي يسمح للمؤسسات بأن تتطور مع تطور المجتمع. لذلك فإن “البرلمان الحلم” لا يعني برلمانا مثاليا، وإنما برلمانا يقترب في كل دورة من أداء الوظيفة التي أنشئ من أجلها.
في الخاتمة، هل سيكون البرلمان، الحلم؟
نعم يمكن ذلك، فما يجعل مؤسسة تشريعية جديرة بثقة شعبها في القرن الحادي والعشرين؟ هي تلك الصلة الجدلية التي تلائم بين حركية وتدافع صندوق الإقتراع وبين مشروعية ونتائج صندوق الآمال..؟لأن كل ورقة انتخابية تحمل في داخلها أملا صغيرا، لكن البرلمان لا يصبح “برلمان الحلم” إلا إذا استطاع أن يحول آلاف الآمال الفردية إلى مشروع وطني مشترك.
النتائج الرسمية للإنتخابات التشريعية
أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية التي جرت في الجزائر يوم الخميس الماضي، والتي بلغت فيها نسبة المشاركة داخل الوطن 21.24%، وفي خارج الوطن نسبة 10.95%، لتكون النسبة الأدنى في التاريخ الانتخابي الجزائري، وقد بلغ عدد المصوتين في داخل الداخل 5 ملايين و71 ألفاً و20 ناخباً من أصل 23 مليوناً و872 ألفاً و756 مسجلاً، فيما صوت في الخارج 91 ألفا و230 ناخباً من مجموع 854 ألف ناخب، ووصل مجموع الأوراق الملغاة إلى 910 الأصوات المعبر عنها 4 ملايين و160 ألفا و790آلاف و230، مقابل 1095 ورقة متنازع عليها.
وحصل حزب جبهة التحرير الوطني على 90 مقعدا من أصل 407 مقاعد (85 داخل الجزائر و5 في الخارج)، مسجلاً تراجعاً بـ 8 مقاعد عن الانتخابات السابقة، دون أن يحقق الأغلبية. وجاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي في المركز الثاني بـ 73 مقعدا، بزيادة 16 مقعدا عن الانتخابات السابقة، مسجلا أكبر نجاح بين الأحزاب. ورفع حزب جبهة المستقبل عدد مقاعده من 48 إلى 59، فيما تراجعت حصة المستقلين (الأحرار) بشكل حاد من 85 إلى 32 مقعدا.
وخسرت حركة مجتمع السلم 22 مقعدا، إذ حصدت 43 مقعدا، بينما سجل حزب صوت الشعب قفزة لافتة برفع عدد مقاعده إلى 17 مقابل 3 فقط في الانتخابات السابقة. وخسرت حركة البناء الوطني مقعدا واحدا لتصل إلى 38 مقعد، وحصلت جبهة القوى الاشتراكية (أقدم حزب معارض في الجزائر) على 12 مقعدا، بعدما قاطعت الانتخابات السابقة، فيما نال حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 4 مقاعد، بعد المقاطعة أيضا. أما بقية الأحزاب فجاء توزيعاتها كالتالي: “حزبا الحرية والعدالة والفجر الجديد: 6 مقاعد لكل منهما. حزب الكرامة: 5 مقاعد. جبهة العدالة والتنمية: 4 مقاعد. حزب العمال اليساري، حزب جيل جديد، وحزب تجمع أمل الجزائر: 3 مقاعد لكل منها. حركة النهضة وحزب الوحدة الوطنية والتنمية: مقعدان لكل منهما. جبهة الحكم الراشد، التحالف الجمهوري، التجديد الجزائري، جبهة المواطنين الأحرار، وجبهة الجزائر الجديدة: مقعد واحد لكل منها”. وفازت “المرأة” بـ 39 مقعدا، فيما ارتفع عدد النواب الجامعيين إلى 312 نائبا، في مؤشر على تنامي دور الكفاءات الأكاديمية في الحياة السياسية الجزائرية.
البرلمان المنتخب ثوبه جديد.. بصعود قوى سياسية غابت، وبتراجع مقيت في تمثيل النساء…؟
سجلت النتائج الإنتخابية التشريعية تراجعا لافتا في حضور المرأة داخل البرلمان، بعدما فازت النساء بـ 32 مقعدا فقط من أصل 407 مقاعد، وهو أدنى مستوى للتمثيل النسوي منذ سنوات، وكان ذلك منتظرا بعد تعديل قانون الإنتخابات الذي أنزل حظوظ النساء المترشحات إلى الثلث..؟
ويعيد هذا التراجع إلى الواجهة النقاش حول فعالية الآليات القانونية والسياسية التي اعتمدتها الجزائر خلال السنوات الماضية لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية، في ظل انخفاض عدد النائبات رغم الدعوات الرسمية إلى توسيع حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، وخاصة منها دعوة الدستور إلى العمل على تحقيق مبدأ المناصفة…؟
…وتبقى نسبة المشاركة الضعيفة.. تطرح أسئلة ملحة حول شرعية التمثيل
.