الرئيسية سياسيات سوريا بين سقوط الأسد وتيه المرحلة الانتقالية

سوريا بين سقوط الأسد وتيه المرحلة الانتقالية

الكاتب قسم التحرير
3 دقائق قراءة
 
منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لم تدخل سوريا طور الاستقرار كما توقّع البعض ممن كانوا يراهنون على الثورة والثوار، بل وجدت نفسها في مرحلة انتقالية مرتبكة؛ دولة تبحث عن هوية جديدة، وسلطة ناشئة تتلمّس طريقها وسط انقسام داخلي حاد ومحاولات لإحكام السيطرة وإطلاق مسارٍ انتخابي مؤجل، في تحارب ميلشيات أجنبية استباحت النساء والأطفال، وضغط خارجي  متزايد، يتجلى في تصعيدٌ الكيان على مواقع داخل دمشق ومحيطها، واحتكاكات حدودية  تتلاعب بها دوائر المصالح الدولية والإقليمية، مشهد يومي عسير يختزل في تمظهرات  أساسية، تعمل كل واحدة منها على حدة لتحقيق ما عجزت عنه الحرب الأهلية منذ العام 2011، معرضة بذلك كل المنطقة إلى خطر الانفجار السريع  وتوسع سيطرة الكيان، بدليل هجوماته اليومية على سوريا ولبنان وتهديدات المبعوث الأمريكي في آخر لقاء  ببيروت، مما يؤكد على مخطط خطير لهذه القوى الامبريالية لضرب المقاومة في لبنان والتي لم تكن لتصمد وتواجه  الاحتلال  لولا اللحمة اللبنانية السورية.وفي اعتقادي أن استقرار سوريا بصورتها التقليدية التي نحن إليها قد انتهى، وحل محله فوضى وتفتت لا يمكن تدويره إلا بالتخلص من تمظهرات عويصة تتحكم في المشهد الطائفي، السياسي والاقتصادي للبلد وتتمثل في: أولًا- الشرعية المعلّقة الرئاسة الجديدة بقيادة أحمد الشرع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا)، الذي كان مطلوبا لدى الدوائر الغربية وخاصة الأمريكية، تحاول أن تقدم نفسها بديلاً إصلاحيًا، لكن ضعف الثقة  في ماضي الرجل لدى الأقليات، وتأجيل الانتخابات في مناطق واسعة مثل السويداء والحسكة، وعند المسيحيين والعلويين وكذا الشيعة، مما يطرح سؤالًا وجوديًا:
هل نحن أمام مشروع دولة جامعة أم أمام إعادة إنتاج انقسامات ما بعد الحرب أخطر وأكثر دموية؟

ثانيًا: الجنوب كمرآة للأزمة

انفجار العنف في السويداء كشف أن معضلة سوريا ليست في تغيير رأس النظام فقط، بل في غياب عقد اجتماعي يضمن العدالة والتمثيل المتوازن، ونبذ الطائفية، التي تعقدها تدخلات الكيان المدعوم أمريكيا والمتواطئ معه عربيا، على خطّ الجنوب بذريعة حماية الأقليات مما يربط الأزمة مباشرة بتوسع  الكيان وضرب  المقاومة  الشيعية الفلسطينية، وهو ما يفتح المنطقة على مصراعيها إلى صراعات إقليمية تتجاوز سوريا بكثير..؟

ثالثًا: اقتصاد بلا أفق

تولدت عن الحصار الإقتصادي الغربي والعربي على سوريا لأكثر من ثلاثين سنة  أزمة اقتصادية  حادة أثرت على المواطن السوري بالدرجة الأولى، حيث واجه عملة منهارة ودولرة متسارعة، بينما كانت  تُدار معركة  أخرى  قاسية ضد شبكات  التهريب (الكبتاغون)، وضد المجموعات المسلحة الخارجة عن الدولة  السابقة والحالية،  وهو ما يطرح تساؤلات عن قدرة هذه  الحرب على السيطرة على الوضع، وتجد بديلًا لإصلاح اقتصادي حقيقي، واستقرار أمني يوفّر العمل والدخل ويعيد الثقة إلى المؤسسات والمجتمع بكامله.

رابعًا: الضغوط الدولية وحدود الدور السوري

لا يمكن قراءة المشهد السوري من الداخل فقط. فالقوى الدولية والإقليمية تتحرك لإعادة تشكيل سوريا  بما يتماشى مع مصالحها: واشنطن تريد إبقاء نفوذها في الشرق، أنقرة تسعى إلى تحجيم “ منظمة قسد” الكردية، وربط الشمال بمعادلاتها التاريخية، والكيان تحلم بإرساء مشروعها الكبير ( من النيل إلى الفرات) الذي أصبح معلنا وواضحا، والذي لا يمكن تحقيقه إلا بفرض خطوطها الحمراء جنوبًا وفي الخلفية مع التهام أجزاء كبيرة من لبنان المجزأة أصلا، وهو ما تعلمنا به الأحداث هذه الأيام، حيث  تتسارع المساعٍ الدولية (أمريكا السعودية والإمارات وفرنسا وغيرهم ) لإعادة إنتاج “دولة وظيفية” لن تعود لاعبًا مستقلًا في الإقليم بل ساحة مفتوحة لتوازنات الغير، وهذه الضغوط تهدد بتحويل سوريا من ركن مركزي في معادلات المشرق، إلى مجرد ورقة تفاوض بيد القوى الكبرى

:خلاصة القول

أن سوريا الأسد ليست هي سوريا ما بعده، إنها بلد يراوح بين حلم دولة جديدة وواقع صراعات قديمة يعاد إنتاجها. وإذا لم تُفتح أبواب الحوار الوطني الحقيقي، ويُبنى عقد اجتماعي جامع يرفض الوصاية 

الخارجية كما يرفض الإقصاء الداخلي، فإن السنوات المقبلة قد لا تحمل للسوريين استقرارًا  بل إشكالًا جديدا، ودورة أخرى من التفتت والتبعية والاستنزاف، فسوريا 2025 ليست خارجة من حربٍ واحدة بل من عدّة حروب متداخلة: حرب الشرعية داخل الدولة، وحرب الخرائط بين القوى المحلية والإقليمية، وحرب الاقتصاد مع إرث التهريب والعقوبات، وحرب السرديات على معنى “الدولة نفسها. وواقع سيحسم في الأشهر المقبلة على وقع عقد اجتماعي مرتجف، وحدود لامركزية مشوهة، ومعادلات ردع مفروضة وضاغطة وسوريا التي كنا نعرفها ونحبها ستصبح منطقة رمادية تُدار بالترقيع لا بالمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.