مقال تحليلي
بقلم نفيسة لحرش
لم يعد ما يجري في غزة ولبنان مجرد تصعيد عسكري عابر بادعاء التخلص من الإرهاب، بل أصبح كاشفا لمسار أعمق يمتد عبر الزمن، تتداخل فيه الأهداف الأمنية مع إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة.. وما بين مشاهد الدمار المكثف واستمرار العمليات، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام تكرار لنموذج توحش قديم، أم أمام صياغة جديدة له بوسائل أكثر استراتيجية وشمولًا…؟
من بيروت 1982 إلى اليوم: الهدف ذاته وبأدوات مختلفة
حين أطلق الكيان حربه في اجتياح لبنان عام 1982، كان الهدف واضحًا وجليا:
إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وتفكيك مركز الثقل العسكري للقضية الفلسطينية خارج حدودها للتخلص مستقبلا مما يسمى الدولة بالفلسطينية.. وقد تحقق ذلك بخروج القيادة الفلسطينية من بيروت، في لحظة بدت وكأنها نهاية مرحلة كاملة من “المقاومة المنظمة”، لكن ما أحرج الكيان، هو ما تلا ذلك، أي النتيجة لم تنه الظاهرة، بل حوّلتها. ففي الداخل الفلسطيني، برزت قوى جديدة مثل حماس كحركة تحرير شاملة، وفي لبنان ظهر حزب الله كفاعل أكثر تنظيمًا وتعقيدًا. وهكذا، انتقل الصراع من مواجهة مع فصيل، إلى مواجهة مع نموذج مقاومة متجدد وقابل لإعادة التشكل.
من استهداف الفصيل إلى تفكيك المنظومة
إذا كان الهدف في 1982 هو إنهاء فاعل محدد، فإن ما يجري اليوم يبدو أوسع:
– في غزة: محاولة تفكيك البنية العسكرية والسياسية لـ حماس، رسمته أمريكا بمجلس سلام، لم يحقق السلام لحد الآن…؟
في لبنان: الضغط على حزب الله لإعادة رسم قواعد الاشتباك متواصل وبدعم أمريكي فاضح.. ولأن مفهوم الاستهداف لم يعد محصورًا في تنظيم بعينه، كونه لا يحقق الأهداف الجديدة، أصبحت الاستراتيجية موجّهًه نحو البيئة التي تُنتج هذه التنظيمات، بل ومنع إعادة إنتاجها بمحوها ومحو بيئتها.
العامل الإقليمي: حين يتجاوز الصراع حدوده المرجوة
مع صعود دور إيران، لم تعد هذه الفصائل تُقرأ كحالات محلية فقط، بل كجزء من شبكة إقليمية مترابطة.. وعليه، لم تعد المواجهة في لبنان لبنانية خالصة، ولا في غزة فلسطينية بحتة، بل أصبحت جزءً من صراع على بنية نفوذ إقليمية ودولية كاملة.
دونالد ترامب: حين تتحول الحلول إلى إدارة للصراع الشخصي:
في هذا السياق، يبرز دور دونالد ترامب بوصفه أحد محددات المقاربة الأمريكية، حيث لم تعد “الحلول” تُطرح كتسويات متوازنة، بل كترتيبات تُبنى على موازين القوة المستقبلية.
غير أن ما يُقدَّم في غزة، سواء عبر مبادرات أو لجان، لا يمكن اعتباره نموذجًا للحل.. بقدر ما هو محاولة لإعادة تنظيم الصراع وفق تصور أحادي، يفتقد إلى الحد الأدنى من التوازن والشرعية.
ولذلك، فإن هذا المسار، بدل أن يُنهي الأزمة، يكرّس شروط استمرارها، ويجعل من استنساخه في ساحات أخرى، كلبنان، أمرًا غير قابل للتحقق.
مفارقة الوساطة: حين يُطلب الحل ممن يملك القوة؟
ن المفارقة الأكثر تعقيدًا لا تكمن فقط في طبيعة هذا الدور الذي يلعبه الرئيس ترامب، بل في استمرار الأطراف المعنية، في غزة ولبنان، في اللجوء إلى الولايات المتحدة بحثًا عن مخرج، وهو ما قد يبدو تناقضًا، لكنه في جوهره يعكس اختلال ميزان القوى أكثر مما يعكس قناعة بشرعية الوساطة.. فالولايات المتحدة، بوصفها الطرف القادر على التأثير في إسرائيل، تتحول إلى وسيط لا يمكن تجاوزه، حتى وإن لم تكن وسيطًا متوازنًا ونزيها.. وهنا تحديدًا، لا تعود المشكلة في “من يلجأ إلى من”، بل في نظام دولي يفرض على الفاعلين البحث عن الحل لدى الطرف الأكثر قدرة، لا الأكثر عدالة.
بين التكرار وإعادة التشكيل:
هل يتكرر إذن نموذج 1982؟ للإجابة الأقرب: لا يتكرر… بل يتطور:
– في 1982: تم تفكيك “الجسد” (منظمة التحرير)، اليوم: يُستهدف “النسق” الذي يعيد إنتاج المقاومة لكن هذا النسق قد أصبح أكثر انتشارًا، أكثر ارتباطًا بالإقليم، وأكثر قدرة على التكيف.
ما الذي سيتغير فعليا مستقبلا…؟
ما سيتغير في الشرق الأوسط، ليس فقط موازين القوة، بل أيضًا حدود الفعل الدولي.. فبينما تسعى الحروب إلى إنهاء أشكال من المقاومة، يكشف الواقع أن ما يُستهدف ليس مجرد فصائل، بل فكرة تتجدد كلما تغيّرت أدوات مواجهتها.
وفي المقابل، لا يبدو أن النظام الدولي قادر، أو راغب، في فرض توازن حقيقي بين القوة والقانون. وهنا تتشكل ملامح المرحلة القادمة التي تصبو إليها أمريكا والكيان: ليس فقط في ساحات القتال، بل حتى في المسافة المتزايدة بين ما يُعلن من مبادئ، وما يُمارس على الأرض وحشية، وهو ما يقع اليوم بنقل من بعض وسائل الإعلام غير المتواطئة…؟
الدمار المستمر… وحدود الفعل الدولي
إن العنصر الأكثر دلالة اليوم ليس فقط طبيعة العمليات، بل قدرتها على الاستمرار دون ردع فعلي، فرغم الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان، وتكرار الدعوات إلى التهدئة، يبقى الواقع على الأرض كاشفًا لمفارقة صارخة:
الدمار مستمر، والضغط الدولي محدود التأثير رغم المطلبية الشعبة، لتتجلى في النهاية أزمة أعمق: – القوانين الدولية قائمة، لكن تنفيذها انتقائي
المبادئ معلنة، لكن تحكمها المصالح والتوازنات السياسية تتقدم على الاعتبارات الإنسانية
خطر التصعيد ما زال قائمًا
إسرائيل تتحدث عن البقاء في الجنوب أو إنشاء “منطقة عازلة”
حزب الله مستمر في الرد العسكري
أي حادث صغير قد يعيد الحرب الشاملة من جديد
استهداف فكرة “المقاومة”؟
نعم، إلى حدّ كبير يمكن القول إن ما تقوم به إسرائيل في كل من غزة ولبنان هو:
محاولة تقليص قدرات الفصائل المسلحة مثل حماس في غزة وحزب الله في لبنان
توجيه ضربات للبنية العسكرية (الصواريخ، الأنفاق، القيادات)
فرض واقع أمني جديد يمنع تكرار الهجمات مستقبلاً
لكن… هناك اختلاف بين المقاومتين أي بين غزة ولبنان
في غزة، الهدف يبدو أقرب إلى تفكيك كامل لحكم حماس
هناك سعي واضح لإنهاء سيطرتها السياسية والعسكرية وحتى وجودها كمقاومة مطلبية
أما في لبنان، فالوضع مختلف:
حزب الله ليس مجرد فصيل، بل جزء من توازن داخلي وإقليمي معقّد
مدعوم من إيران نعم، وهو حزب طائفي “شيعي” نعم، لكنه مشارك في نسق السلطة السياسية اللبنانية منذ الاستقلال
يمتلك قدرات عسكرية أكبر بكثير من غزة ويملك مجالا أكبر للتحرك، حتى وإن استطاع الكيان تقليص تلك المساحة أخيرا بالسيطرة على المنافذ السورية، باتفاقات مشبوهة مع الحكومة السورية الجديدة.
لذلك، أصبح هدف الكيان المدعم أمريكيا هنا أقرب بكثير إلى:
عمل الكيان على إضعاف الحزب واحتوائه رغم كل تضحيات وصمود الحزب
محاولة إبعاد الحزب عن حدود الكيان، حتى لو تم ذلك بالسيطرة على الأرض
ليس بالضرورة “إنهاء الحزب بالكامل” لأن ذلك سينتهي بتدمير كل لبنان ( وهوما قد يفجر حربًا إقليمية واسعة)، غير مرغوب فيها دوليا
العامل الإيراني: هو قلب المعادلة
لا يمكن فهم لبنان دون هذا البعد:
إيران تعتبر حزب الله جزءً من استراتيجيتها
أي ضرب له هو عمليًا ضغط على إيران نفسها
وهنا تتقاطع الأفكار:
ما يحدث في لبنان ليس لا يلتئم مع ما يجري في غزة، بل هو تفكيك لشبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة
هل لبنان هو “نموذج غزة مكرر”؟
لبنان دولة قائمة (ولو ضعيفة)
التركيبة الطائفية والسياسية معقدة
وجود حسابات دولية أكبر
خطر توسع الحرب إلى مواجهة مباشرة مع إيران
في غزة: تغيير جذري بالقوة
في لبنان: إدارة صراع وحدود اشتباك
ما يجري إذن هو مزيج من:
استهداف قوى المقاومة
إعادة رسم التوازنات الإقليمية
الضغط على إيران
دون الوصول (حتى الآن) إلى سيناريو “تصفية كاملة” كما في غزة
الخلاصة المبسطة:
ما يجري في لبنان هل هو: حرب جزئية + هدنة هشة + صراع إقليمي أكبر، أم هو اليوم، أي لبنان ليس فقط في أزمة داخلية، بل يعيش وسط معركة بين إسرائيل وإيران تُدار على أرضه، والكيان يريد إنهاؤه وتصفيته بكل الطرق، وبمباركة دولية.