الرئيسية مجرد رأي هدنة الخليج… ونار لبنان …   حين تُدار الحروب ولاتُحسم..؟ 

هدنة الخليج… ونار لبنان …   حين تُدار الحروب ولاتُحسم..؟ 

الكاتب نفيسة لحرش
3 دقائق قراءة

في الشرق الأوسط، لا تأتي الهدنات دائمًا كإعلان للسلام، بل كثيرًا ما تكون مجرد استراحات محسوبة في مسار صراع طويل.. هكذا تبدو الهدنة الأخيرة في الخليج، التي خفّفت منسوب التوتر دون أن تُنهي أسبابه العميقة، ودون أن تُبدّد احتمالات انفجاره مجددًا

فالهدنة، في جوهرها، ليست سوى إعادة تموضع. لقد فرضت حسابات الطاقة العالمية، وخشية الانزلاق إلى مواجهة شاملة، نوعًا من “التعقّل القسري” على الأطراف المتقابلة. غير أن هذا التعقّل لا يعكس تحولًا حقيقيًا في موازين القوى أو في النوايا السياسية، بل يؤكد أن الجميع يحتاج إلى وقت: لترميم القدرات، وإعادة ترتيب الأوراق، واختبار قنوات تفاوض غير معلنة، هذا ما صرح به رئيس وزراء الكيان البارحة..؟

لكن، وعلى وقع هذا الهدوء النسبي في الخليج، تشتعل جبهة أخرى، أكثر هشاشة وأشد كلفة إنسانيًا: لبنان، لبنان ضحية الجغرافيا والإنتماء..؟

فما يحدث هناك لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كامتداد مباشر لمنطق إدارة الصراع في المنطقة، التي كان ضحيتها لبنان منذ عشرات السنين. كل المختصين يعرفون أنه حين تصبح كلفة المواجهة مرتفعة في نقطة معينة، يُعاد توجيه الضغط نحو نقطة أخرى أقل كلفة من حيث الحسابات الدولية، وأكثر قابلية للاحتواء. وهكذا، يتحول لبنان، في كل مرة، إلى ساحة مفتوحة لاختبار التوازنات، حيث تختلط الرسائل العسكرية بالرهانات السياسية

غير أن أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط تزامن الهدنة مع المجازر، بل ذلك الغموض المتعمد في تحديد المسؤوليات، لكن حين تُقصف المدن، لا يعود ممكنًا الاختباء خلف تعبيرات فضفاضة من قبيل “التصعيد المتبادل”. هناك فاعل يملك قرار النار، وهناك ضحايا يدفعون الثمن

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء بقية الأطراف من مسؤولية تحويل بعض الساحات إلى فضاءات صراع بالوكالة، حيث تختلط حسابات الردع باعتبارات الصمود والنفوذ معا، ويُترك المدنيون في قلب المعادلة. أما القوى الكبرى، فهي تتحمل مسؤولية من نوع آخر: مسؤولية إدارة التوازنات بما يمنع الانفجار الشامل، لكنه لا يمنع استمرار النزيف وقتل الأبرياء وتدمير مقدرات الشعوب…؟

ومع ذلك، فإن وضع جميع الأطراف في سلة واحدة، تحت عنوان “المغامرة”، يُخفي حقيقة جوهرية لا يمكن القفز عليها. فليست كل المغامرات سواء، ولا كل من يحمل السلاح يُوضع في الكفة نفسها. هناك فرقٌ بين من يدافع عن أرضه في مواجهة قوة تستبيحها، وبين من يفرض الحرب على الآخرين كخيار توسّع وهيمنة

إن هذا التمييز ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطٌ لفهم ما يجري. لأن المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه لا تُنتج تحليلًا متوازنًا، بل تُنتج تضليلًا مقنّعًا بلغة الحياد.. ولعل أخطر ما يكشفه المشهد اليوم، هو أن هذه التناقضات لم تعد تُخفى، بل أصبحت تُقال بوضوح، وحين يتحدث قادة الحروب بلغة التدمير الشامل، فإن ذلك لا يعكس فقط لحظة انفعال، بل يكشف عن ذهنية تُدير الصراع بمنطق الإخضاع، لا بمنطق الحل.. وهنا، تتكشف المفارقة الكبرى: كيف يمكن لخطاب يلوّح بتدمير المجتمعات والحضارات أن يستمر في تقديم نفسه كحامل لقيم الديمقراطية والإنسانية؟

إن المشكلة لم تعد في ازدواجية المعايير فحسب، بل في تحوّل هذه الازدواجية إلى سياسة مُعلنة، تُبرَّر باسم “الأمن” تارة، وباسم “الاستقرار” تارة أخرى، بينما نتيجتها الفعلية هي تكريس منطق القوة على حساب القانون، والسيطرة على اقتصاديات الشعوب بالغطرسة وبالعلن…؟

لكن، عندما يُقابل هذا الخطاب بصمتٍ دولي متكرر، فإن الأمر يتجاوز حدود العجز، ليقترب من شكلٍ من أشكال التواطؤ. صمتٌ لا يوقف الحرب، بل يمنحها غطاءً للاستمرار، ففي هذه المنطقة، لا تُدار الحروب من أجل إنهائها، بل من أجل التحكم في مساراتها. تُهدّأ جبهة، لتُشعل أخرى. وتُجمَّد أزمة، لتُعاد صياغتها في مكان مختلف، لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستصمد الهدنة؟  
بل: إلى متى يمكن لهذا الفصل المصطنع بين الجبهات أن يستمر؟

لأن الحروب التي تُدار بدل أن تُحسم، لا تنتهي في هذه المنطقة المتعوس… بل إنها تتنقل باستمرار وفي كل نقلة، تُدفع الحقيقة إلى الظل… ويُترك الضحايا في الواجهة دون حماية أو حتى اعتراف بالحقيقة ولا نقول الذنب..؟

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.