هل التحذير هو آخر ما تملكه الأمم المتحدة لحماية المقهورين..؟ إذن فما الداعي للإحتفاء بذكرى إنشائها

العودة إلى تاريخ إنشاء الأمم المتحدة، وتصفح سجل إنجازاتها لفترة ثمانين سنة كاملة، يسمح لنا بالطبع بطرح عدة تساؤلات، وخاصة بالنسبة لنا نحن كمسلمين، وبالذات في هذه المرحلة التاريخية التي تجاوزت فيها التحالفات الشيطانية بين الدول كل طاقات الأمم المتحدة الإنسانية والقانونية..؟  وأهمها على الإطلاق: ماذا بقي من الأمم المتحدة لتفتخر به حين تعجز عن تحويل القانون الدولي الذي يفترض أن تحميه إلى قوة فعل، وحين تصبح قدرتها الأكبر هي أن تقول إن ما يحدث خطير من خلال منبر سنوي يجمع الظالم والمظلوم، المظلوم يبكي حظه وضعفه، والظالم يفتخر بظلمه ويتحدى العالم أكثر فأكثر..؟ وهي المفارقة التي تستحق أن تطرح اليوم على الأعضاء في قلب الأمم المتحدة..؟  

 قد يرد علي بأن الأمم المتحدة لم تفقد كل شيء، حتى لو أنها فقدت جزءًا مهمًا من قدرتها على إلزام الأقوياء، لأن:

  1. المشكلة ليست أن الأمم المتحدة لا تفعل شيئًا.. بل هل بإمكانها بمفردها فعل شيء..؟

الأمم المتحدة ما زالت تضم 193 دولة، والجمعية العامة تمنح كل دولة صوتًا، وهي ما تزال الإطار العالمي الأوسع للنقاش والتفاوض وصياغة المعايير الدولية. كما أنها، منظومة للأمم المتحدة تقوم بأعمال فعلية في الإغاثة، ومساعدة اللاجئين في الصحة، والغذاء، والتنمية، وحفظ السلام، وحقوق الإنسان. وكل هذه العمليات تتطلب ميزانيات بمليارات الدولارات وتعمل في عدد من بؤر النزاع، وهي تحتاج للدول الغنية والنافذة..؟  

 حتى هذه المسلمات التي نص عليها ميثاق الهيئة أفرغ من محتواه، والدليل غزة والسودان و.. و.. فهل بقي للأمم المتحدة دور حتى الآن وصوت الكبار من هذه الأمم يصدح بالفشل؟ وهل بقي لها من القوة ما يتناسب مع حجم الدور الذي أُنشئت من أجله..؟

  1. هل أصل المشكلة موجود في بنية الأمم المتحدة نفسها..؟

   أنشأت الأمم المتحدة عام 1945، في عالم مختلف تمامًا عن عالم اليوم. والدول الخمس التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية منحت لنفسها موقعًا استثنائيًا داخل مجلس الأمن: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا وبريطانيا.. ومن هنا نشأت المفارقة الكبرى.. المنظمة التي يفترض أن تحكم العلاقات الدولية وفق قواعد مشتركة، لا تستطيع في أهم قضايا الحرب والسلم أن تتجاوز إرادة إحدى القوى الخمس الكبرى، لأنها في غالب الأحيان تكون طرفا أو بالأحرى متماهية مع أحد الأطراف، وبالتالي يصبح الفيتو ليس تفصيلًا إجرائيًا؛ بل معرقلا، يستطيع أن يجعل إرادة أربعة عشر عضوًا في مجلس الأمن محتجزة. ولعل غزة واحدة من أكثر الصور وضوحًا لهذه المعضلة.. ففي نوفمبر 2024، أيد 14 عضوًا مشروع قرار يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار، لكن المشروع سقط بسبب فيتو أمريكي واحد.. رغم أن الإبادة الجماعية النازية لليهود كانت من الأسباب الأساسية لإنشاء الأمم المتحدة لكي لا تتكرر الإبادة.. ويتكرر المشهد في جوان 2025 بصورة أكثر وضوحًا: حيث صوّت الأعضاء الأربعة عشر الآخرون في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار بشأن وقف إطلاق النار في غزة، لكن الفيتو الأمريكي حال دون اعتماده. مع العلم أنه في سنة 2024 وحدها، سجل مجلس الأمن ثماني استخدامات للفيتو على سبعة مشاريع وقرارات لم تعتمد، أربعة منها خصت الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية أو لبعض جوانبها.. وهذا لا يعني بأن “الأمم المتحدة قد فشلت”، وإنما تعكس فكرة أن النظام العالمي الذي يفترض فيه أن يمنع فشل الأمم المتحدة إنما يحتوي في داخله آلية تسمح بذلك الفشل.

      3. ويبقى سؤالً يؤرق المجتمعات المقهورة: لماذا يحتفي العالم إذن بذكرى الأمم المتحدة في كل عام…؟

   وهذا هو الجزء الذي يؤرق كل متعاطف مع الإبقاء على دور الأمم المتحدة، لكن ليس لكي تجلس الدول في القاعة، وتتلو الخطابات المثيرة.. حتى وإن كنا ندرك بأن ليس كل القرارات الأممية عديمة الأثر، كما أنه ليس كل قرارات الجمعية العامة ملزمًة بالطريقة نفسها. والأمم المتحدة نفسها توضح بأن طبيعة القرار هي التي تحدد مدى إلزاميته، وأن قرارات مجلس الأمن لا تُعد عمومًا ملزمة، إلا عندما يصدر القرار تحت الفصل السابع.
لكن الفجوة بين وجود القاعدة القانونية والقدرة على تنفيذها أصبحت واحدة من أكبر أزمات النظام الدولي. لأن المشكلة لم تعد تكمن في غياب القانون الدولي، بقدر ما أصبحت تتجلى في حالة صدوره، بغياب القوة القادرة على فرضه بحقيقته وبصورة متساوية.

  1. الأكثر إثارة في هذه الإشكالية هي المفارقة التي تعيشها الأمم المتحدة في ذات الوقت:

لا أجد من يستطيع أن ينفي بأن هيئة الأمم المتحدة، هي أكبر فضاء دبلوماسي عالمي، تحافظ على قدر هائل من قواعد القانون الدولي؛ وتتمتع بمنتدى عالمي كبير تستطيع فيه الدول الصغيرة أن تتحدث أمام القوى الكبرى؛ كما أنها أداة إنسانية لا يمكن الاستغناء عنها في المساعدة على حل أزمات كثيرة؛ وفي الوقت نفسه، هي مؤسسة مقيدة ببنية سياسية تعكس ميزان القوى الذي كان قائمًا سنة 1945، أكثر مما تعكس عالم اليوم، عالم 2026.

ومع ذلك، يفترض فينا تحليل خطورة وضع الكرة الأرضية وتناحر القوى العالمية أكثر من أي وقت مضى وتأثيرها على عمل الهيئة، كما يجدر بنا طرح الأسئلة جول أزمة ما نعيشه اليوم بمن تغيرات مناخية واقتصادية خطيرة جدا فهل هي أزمة الأمم المتحدة، أم أزمة العالم الذي لم يعد قادرًا على الاتفاق على قواعد تعايش مشتركة…؟ الأمر الذي يقلل من سقف مناقشة ضعف أو قوة هيئة الأمم المتحدة..

    5. ماذا بقي من الأمم المتحدة… حتى قوة القانون عجزت عن سن الكلمات التي تستطيع إيقاف الحروب؟ أو يمكننا القول: أن الأمم المتحدة… أصبح التحذير هو آخر ما تملكه…؟

بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، ماذا بقي من القوة التي أراد العالم أن يمنحها للأمم المتحدة؟ وهل ما زالت مؤسسة لصنع السلام، أم أصبحت في كثير من الأزمات شاهدًا دوليًا على عجز النظام الدولي عن صناعة السلام؟

إذا كانت الأمم المتحدة قد أصبحت عاجزة عن تمثيل عالم تغيّر جذريًا منذ 1945، فهل المطلوب إنقاذ المنظمة، أم إعادة تأسيس قواعد النظام الدولي نفسه..؟ وعندما ندخل في إصلاح الهيئة، فبالضرورة إصلاح لمجلس الأمن، كالفيتو، ازدواجية تطبيق القانون الدولي، صعود قوى جديدة، تراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، ودور الجمعية العامة والمحاكم الدولية وكل ما يتبع من لجان وتشكيلات إنسانية اقتصادية اجتماعية وسياسية، وهو ما يحيلنا على حلحلة أزمة النظام الدولي نفسه، الذي يكشف مع الأسف شيئًا أعمق من مجرد عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها.. فبعد التحقق من نص الميثاق وآليات المجلس، أظن أن الجواب المفاجئ هو: أن الأمم المتحدة لا تملك، في الأصل، سلطة فوق الدول الأعضاء تستطيع بها معاقبة أي دولة كيفما شاءت؛ والأسوأ أن تصميم النظام نفسه يجعل الدول الخمس الدائمة جزءًا من آلية الإنفاذ، وفي الوقت نفسه قادرة على تعطيلها، وهنا تكمن المفارقة التي أشرت إليها أعلاه..؟

   لماذا لا تعاقب دولةً من الدول الخمس إذا عطلت التنفيذ؟

    لأن مجلس الأمن نفسه هو الجهة التي تملك أدوات الإنفاذ، وأي قرار موضوعي فيه يحتاج إلى موافقة تسعة أعضاء، مع عدم استخدام أي عضو دائم لحد النقض. هذه ليست ممارسة عابرة؛ إنها قاعدة منصوص عليها في المادة 27 من الميثاق. بمعنى أكثر وضوحًا: اليد التي تملك مفتاح الإنفاذ، تستطيع إحدى الدول الخمس أن تمنعها من الحركة.  ولذلك لا توجد داخل الأمم المتحدة آلية بسيطة من نوع: “هذه الدولة لم تنفذ قرارًا، إذن نعاقبها.. “الأمر أكثر تعقيدًا، حيث إن المادة 25 تلزم الدول بقبول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، والمادة 48 تنص على أن الإجراءات المطلوبة لتنفيذ قرارات المجلس تقوم بها الدول الأعضاء، لكن تنفيذ القرار يظل مرتبطًا بإرادة وقدرة الدول التي يفترض أنها تنفذه.  

لكن ماذا لو كانت الدولة المخالفة عضوًا عاديًا..؟

هنا توجد أدوات حقيقية.. مجلس الأمن يستطيع، في إطار الفصل السابع، فرض عقوبات، مثل تجميد الأصول وحظر السفر وحظر السلاح وغيرها، وقد أنشأ بالفعل لجانًا وآليات لمراقبة تنفيذ هذه العقوبات. بل إن الميثاق يذهب أبعد من ذلك: فالمادة 5 تتيح تعليق حقوق وامتيازات العضوية لدولة اتُّخذت ضدها إجراءات وقائية أو إنفاذيه، بشرط أن يوصي بتلك العقوبة؟ مجلس الأمن نفسه، فإذا كان المخالف دولة دائمة العضوية، فهل تستطيع هذه الدولة أن تستخدم حق النقض ضد القرار الذي يراد به معاقبتها. وهكذا يصبح السؤال أكثر تعقيدا,, كيف يمكن لمنظومة أن تعاقب من يملك حق تعطيل الأداة التي ستعاقبه,,؟

وهل يمكن معاقبة هيئة تنفيذية تابعة للأمم المتحدة..؟

    هناك بالفعل هيئات ولجان تابعة للأمم المتحدة يمكن أن تخضع للمساءلة أو يتغير تكليفها أو ميزانيتها أو تُحلّ أو يعاد تشكيلها، والجمعية العامة نفسها تملك سلطات واسعة في الميزانية والإدارة، كما تراقب بعض العمليات. لكن لا توجد سلطة واحدة فوق جميع أجهزة الأمم المتحدة تعمل كـ “محكمة دستورية عالمية” تستطيع أن تقول ببساطة: هذه الهيئة عصت قرارًا أمميًا، إذن نعاقبها., والسبب يعود مرة أخرى إلى أن الأمم المتحدة ليست دولة عالمية.

الأمم المتحدة ليست حكومة العالم…؟

   نحن أحيانًا نتحدث عن الأمم المتحدة كما لو كانت حكومة دولية تمتلك: شرطة؛ جيشًا؛ قضاءً أعلى من الدول المكونة لها؛ خزينة مستقلة؛ سلطة تشريعية عالمية؛ وسلطة تنفيذية تستطيع إجبار الحكومات. لكنها في الحقيقة ليست كذلك، فهي منظمة أنشأتها الدول الكبرى ماديا وعسكريا، وهذه الدول هي التي منحتها صلاحياتها وحددت  لها حدود تلك الصلاحيات..؟

     ولهذا فإن المفارقة الأساسية الأولى، تكمن في أن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تكون أقوى من الدول التي أنشأتها، ولا تستطيع في كثير من الأحيان أن تكون مستقلة عن إرادة أقواها.. وهذا ما يفسر سؤالنا الذي طرحناه في بداية المقال: لماذا يمكن للجمعية العامة أن تقول شيئًا، بينما لا تستطيع فرضه..؟ لأن الجمعية العامة ليست هي مجلس الأمن، ولا تمتلك صلاحياته، وعندما يعجز مجلس الأمن بسبب فيتو إحدى الدول الدائمة، وتستطيع الجمعية العامة، في إطار آلية “الاتحاد من أجل السلام”، أن تتحرك وتصدر توصيات باتخاذ إجراءات جماعية. لكن هذه الآلية لا تحول الجمعية العامة إلى حكومة تنفيذية؛ لأن توصياتها ليست بديلًا كاملًا عن سلطات مجلس الأمن التنفيذية.  

 أغلبية كبيرة من دول العالم قد تتفق، وتصدر الجمعية العامة قرارًا، لكن القدرة على التنفيذ قد تبقى خارج يد تلك الأغلبية.. وهذا ما رأيناه في الاعتراف بالدولة الفلسطينية الذي صادقت عليه أكثر من   167 دولة ولم يتم تنفيذه بفيتو دولة واحدة، وهنا يصبح الفرق شاسعا بين الشرعية العددية وقوة التنفيذ …؟

    وهناك مفارقة أخرى أشد قسوة: هي أن محكمة العدل الدولية لا تملك جهاز شرطة خاصًا بها لتنفيذ أحكامها. رغم أن المادة 94 من الميثاق تلزم الدول بتنفيذ أحكام المحكمة في القضايا التي تكون طرفًا فيها، وإذا لم تنفذ دولة الحكم، يمكن للطرف الآخر اللجوء إلى مجلس الأمن، الذي يستطيع أن يتخذ تدابير أو يصدر توصيات.  

  لكن مرة أخرى، مجلس الأمن هو بوابة الإنفاذ، وهكذا نعود إلى الدائرة نفسها من التعطيلات القانونية.. وبذلك نعود للسؤال الأول: “ماذا بقي من الأمم المتحدة؟”، وكيف يمكن لمنظمة أُنشئت لمنع سيادة منطق القوة أن تظل هي نفسها أسيرة ميزان القوة الذي أنشأها؟، وهكذا نعود مرة أخرى للفجوة الكبيرة بين الشرعية والقوة: الشرعية موجودة، القانون موجود، القرارات موجودة والتوثيق موجود، والإدانة موجودة… لكن أين توجد القوة التي تجعل كل ذلك قابلًا للإنفاذ…؟

Related posts

ماذا يحدث للنساء في المجتمع العربي..؟ 

ماذا يجري في العالم، هل أصبح تغير المناخ – مشكلة تتجاوز الحدود..؟ 

ما الذي تريده المغرب من تسهيل الهجرة إلى سبتة ومليلة الإسبانيتين…؟ 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Read More