الرئيسية سياسيات تداعيات قرار مجلس الأمن / الصحراء الغربية وتحديات التطبيق 

تداعيات قرار مجلس الأمن / الصحراء الغربية وتحديات التطبيق 

الكاتب نفيسة لحرش
6 دقائق قراءة

     تبرز لعبة المصالح الكبرى في القرارات الأممية حين تُدار العدالة الدولية بموازين القوة لا بمبادئ القانون، حيث يتجسد ذلك من خلال إدراكًنا الدقيقً لأسلوب الفيتو الأممي كأداة سياسية لتسوية النزاعات تختلف في معناها من دولة إلى أخرى.. 
   فقد أبرزت الولايات المتحدة مرارا بأنها ليست مضطرة لتجنّب العزلة في مجلس الأمن كما تفعل الصين وروسيا، لأن طبيعة نفوذها وموقعها داخل النظام الدولي مختلف تمامًا. فالفيتو الأمريكي في القضية الفلسطينية أخيرا هو تعبير عن التزام إستراتيجي لا يخضع لمنطق التوافق داخل المجلس. 
بمعنى آخر: واشنطن تعتبر أن حماية إسرائيل مسألة سيادة أمريكية وليست مجرد ملف دبلوماسي أممي. 
   ولذلك لا يهمها إن صوّتت 14 دولة ضدها، لأن هذا الفيتو موجّه للجمهور الداخلي الأمريكي والإسرائيلي أكثر منه للمجلس الدولي، ومن هنا تكبر الثقة في “الاستثناء الأمريكي” داخل المنظومة الدولية، إلى جانب أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط هائلة داخل الأمم المتحدة: التمويل، التحالفات، النفوذ العسكري والاقتصادي، وهذا ما يجعلها تتحمّل العزلة الرمزية بسهولة، لأنها تعلم أن بقية الدول / حتى المعارضة / لا تستطيع فرض واقع ميداني دون موافقتها. 

 الفرق في الهدف السياسي: 

   عندما تستعمل واشنطن الفيتو، فهي تحمي وضعًا قائمًا (إسرائيل وسياساتها)، أما روسيا أو الصين فعادة ما تعارضان توجّهًا غربيًا أو تحاولان الحفاظ على نفوذ محدود. لذلك فإن العزلة بالنسبة لهما خسارة في الرصيد الدبلوماسي، أما بالنسبة لأمريكا فهي إعلان قوة واستقلال قرار. 

الرسالة السياسية الداخلية:

     في كل مرة تستعمل فيها أمريكا الفيتو ضد قرار يخص فلسطين، يكون هناك ضغط قوي من الكونغرس وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.. فالتصويت بـ “لا” يوجَّه أيضًا للداخل الأمريكي وليس فقط للعالم الخارجي، أي أنه قرار انتخابي بقدر ما هو دبلوماسي. 

   تُظهر جلسات مجلس الأمن الأخيرة، بشأن كل من القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية، أن ما يُسمّى بـ “الشرعية الدولية” لم يعد يُدار بمنطق القيم والمبادئ، بل وفق هندسة دقيقة لموازين القوى والمصالح الإستراتيجية بين الكبار. ففي نهاية أكتوبر 2025، استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو لإسقاط مشروع قرار قدمته الجزائر يدين العدوان الإسرائيلي على غزة لما قامت به من إبادة جماعية وتجويع، رغم تأييد 14 دولة من أصل 15 داخل المجلس. 
ولم يكن ذلك التصويتً دبلوماسيًا بقدر ما كان بيانًا سياسيًا داخليًا يؤكد التزام واشنطن الثابت بأمن إسرائيل، حتى لو جاء ذلك على حساب القانون الدولي والضمير الإنساني.. فالولايات المتحدة، بثقلها المالي والعسكري، لا تخشى العزلة داخل مجلس الأمن، بل تعتبر الفيتو وسيلة لإظهار “الاستقلال السيادي” في مواجهة الأغلبية، ورسالة مزدوجة لجمهورها الداخلي ولحلفائها الإقليميين مفادها أن التحالف مع واشنطن ضمانة بقاء، لا قضية نقاش.. إذن الفيتو الأمريكي: حماية للحليف قبل حماية القانون…؟؟ 

الموقف الروسي–الصيني: امتناع محسوب لا حياد بريء: 

في المقابل، حين صوّت المجلس على القرار المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو في الصحراء الغربية، في جلسات 31 أكتوبر 2025 اختارت روسيا والصين الامتناع عن التصويت بدل استعمال الفيتو، رغم رفضهما الصريح لفكرة “الحكم الذاتي” باعتبارها فرضًا أحاديًا لا يستند إلى حق تقرير المصير، إلا أنهما فضّلتا التحفّظ الصامت بدل المواجهة العلنية مع الغرب.. ولا يفسر ذلك الامتناع على أنه ضعفًا، بل حساب دبلوماسي دقيق؛ فموسكو وبكين لا ترغبان في تعطيل المسار الأممي أو الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن وباريس، خصوصًا أن القرار يحافظ على الإطار الأممي من دون حسم في الجوهر. كما أنهما تحاولان موازنة علاقاتهما المتنامية مع الرباط والجزائر، وتفادي خسارة أي منهما في لحظة احتدام جيوسياسي متصاعد عبر شمال إفريقيا. 
فامتناع الدولتين عن استخدام الفيتو، رغم تحفظاتهما على مضمون القرار الأخير حول الصحراء الغربية (31 أكتوبر 2025) (وخاصة الإشارة إلى “الحكم الذاتي” كحلّ ممكن) ليس تأييدا للحكم الذاتي في حد نفسه، بل هو موقفً دبلوماسيً محسوب لعدة اعتبارات، يمكن تلخيصها في أربع نقاط أساسية: 

 – تجنّب العزلة السياسية داخل المجلس: 

القرار كان مدعومًا من الولايات المتحدة، فرنسا، والعديد من الأعضاء غير الدائمين، واستعمال الفيتو كان سيضع موسكو وبكين في مواجهة مباشرة مع أغلبية المجلس، ويظهرهما كمعرقلتين لمسار السلام الأممي، خصوصًا بعد أن صيغ القرار بلغة “توافقية” تتحدث عن “حل سياسي واقعي ودائم” مقبول من الطرفين” 

التمسك بالإطار الأممي دون إسقاط العملية السياسي  

الصين وروسيا تؤكدان دائمًا على أن الحل يجب أن يكون في إطار قرارات الأمم المتحدة، وبما أن القرار الأخير مدّد ولاية بعثة “المينورسو” وحافظ على الإشراف الأممي، الذي عملتا على ترسيخه مرارا، لذلك فضّلتا الامتناع عن التصويت ضده، حتى لا يُفهم أنهما ترفضان العملية السياسية كلها  

: الموقف المبدئي من قضايا تقرير المصير 

 وهناك حقيقة أخرى، هي أن بكين وموسكو تتحفظان على توسيع تطبيق مبدأ تقرير المصير، خوفًا من أن يُستعمل ضدّهما في ملفات أخرى، كملف تايوان أو الشيشان، ولذلك فهما تتعاملان  القضية بحذر شديد: تعارضان الحكم الذاتي كمفهوم غربي مفروض، لكن دون الدفاع علنًا عن استفتاء تقرير المصير 

: توازن المصالح مع المغرب والجزائر 

لدى الصين استثمارات متزايدة في المغرب ضمن “مبادرة الحزام والطريق”، وفي الجزائر كذلك، وروسيا تربطها علاقات دفاعية واقتصادية قوية بالجزائر، لكنها تسعى أيضًا لعدم خسارة الرباط، لذلك يختاران الحياد الإيجابي عبر الامتناع عن التصويت بدل المواجهة، وفي الخلاصة، فالامتناع هنا ليس تأييدًا للقرار ولا اعتراضًا حادًا عليه، بل إشارة دبلوماسية مزدوجة نحن لا نوافق على بعض الصياغات، لكننا لا نريد تعطيل العملية الأممية 

ازدواجية المعايير تضع القيم تحت وصاية القوة: 

هذان المثالان يكشفان بوضوح أن حق الفيتو لم يعد أداة لضبط السلم الدولي، بل أصبح آلية لإدارة المصالح الكبرى.. فعندما تستخدمه واشنطن، يكون للدفاع عن حليف إستراتيجي، وحين تتجنّبه موسكو وبكين، يكون لحماية توازناتهما الإقليمية.. وفي كلا الحالتين، تُدار القضايا الإنسانية والسياسية وفق منطق القوة لا منطق العدالة. وتُرفع فيها شعارات “حقوق الإنسان” و“الديموقراطية” و“تقرير المصير” كشعارات أخلاقية، لكنها تُطبّق بانتقائية تخدم موقع كل قوة داخل النظام الدولي. 

 
الكبار يكتبون القانون على مقاس مصالحهم: 

بهذا المنطق في عالم اليوم، لا يمكن قراءة قرارات مجلس الأمن بمعزل عن سياق إعادة توزيع النفوذ الدولي، فالولايات المتحدة تؤكد هيمنتها عبر الفيتو، وروسيا والصين تثبتان وجودهما عبر الامتناع، والدول الصغيرة تظل رهينة لعبةٍ لا تملك فيها إلا التصفيق أو الاحتجاج، وما بين “الفيتو الأمريكي” و“الامتناع الروسي–الصيني”، يضيع جوهر العدالة الدولية، ويتحوّل مجلس الأمن إلى مسرح لتوازن القوى أكثر منه منبرًا لحماية الشعوب. 

خلاصة المقارنة بين الموقفين: 

الولايات المتحدةالصين وروسيا  العنصر 
حماية التحالف مع إسرائيلالحفاظ على التوازن وعدم العزلة  هدف التصويت
سياسية وإيديولوجيةدبلوماسية واقتصادية الحسابات
مبدئي واستراتيجي تكتيكي ومرحلي طبيعة الفيتو
لا تبالي بها  تتجنبها رد الفعل على العزلة

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.