الرئيسية سياسيات لبنان”بين الخوف من التكرار والأمل في الاستثناء”

لبنان”بين الخوف من التكرار والأمل في الاستثناء”

الكاتب نفيسة لحرش
6 دقائق قراءة

هل جمود الحوار بين إيران وأمريكا

 يمنح الكيان فرصة التفرد بلبنان…؟

للكاتبة نفيسة لحرش

إذا أردنا قراءة المشهد اللبناني اليوم بواقعية، فالإجابة المختصرة تعلن عن ذاتها، فالتاريخ قد علمنا أن الثقة في أمريكا مستحيلة، وعليه فوجود تفاهم ضمني بين أمريكا والكيان للتفرد بلبنان وإنهاء حزب الله، هو أحد المسارات المتفق عليها…؟

 سياسيا تحاول امريكا إنتاج انفراج أمني، لكن الوقائع الميدانية لا تزال تشير إلى عكس ذلك، لأن الخطر الحقيقي أكبر من فرص الاستقرار المنتظرة على الأقل في المدى القريب، فما يجري في لبنان حاليا ليس مجرد أزمة داخلية، بل هو تقاطع لثلاث مستويات من الصراع:- صراع دائم بين الكيان والمقاومة في لبنان، منذ اجتياح لبنان عام 1982”مجزرة شارون” في “صبرا وشاتيلا”، التي لم يجرمها العالم الغربي ذاك، ثم حروب لبنان والكيان المستمرة، وهو صراع مستمر منذ سنة 2000 مع المقاومة الوطنية اللبنانية بريادة حزب الله، ناهيك عن الحرب الأهلية التي دامت لسنوات بتدخل من قوى أجنبية وعلى رأسها الكيان والولايات المتحدة..؟ الصراع في لبنان، هو صراع إقليمي بمعنى الكلمة، وحتى وإن ارتبط اليوم بحرب إيران والولايات المتحدة، فهو في حقيقته صراع لبناني مع الكيان حول الأرض، وله تداعيات وطنية حول مسألة السلاح بين الأحزاب ودور الدولة السلبي من الحرب، فخلال الأسابيع الأخيرة جرى تمديد وقف إطلاق النار بين حزب الله والكيان بوساطة أمريكية، انطلاقا من الشروط الإيرانية، لكن بعدها انطلقت لقاءات مباشرة وغير مسبوقة بين وفود لبنانية حكومية والكيان برعاية واشنطن لمحاولة سحب التأثير الإيراني بتثبيت التهدئة، لكن العكس هو ما جعل واقع لبنان اليوم دمويا لحد لا يوصف، ليس لكون المشكلة في أن وقف إطلاق النار كان هشّا جدا. بل لأن الكيان لا يجد من يردعه فالغارات المستمرة داخل الأراضي اللبنانية، رغم المواجهات المحتدمة والاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق الأخطر، تحقق هدفه التوسعي المعلن عنه “الشرق الأوسط الجديد”، وما التصعيد الكبير في الأيام الأخيرة، وتوغلات قوات الكيان  داخل جنوب لبنان  لأكبر دليل على كون ما يجري إنما هو خطة مدروسة للسيطرة على مواقع تاريخية واستراتيجية مثل قلعة الشقيف (بوفور) قد لا يسهل التراجع عنها بسهولة في المستقبل إلا بعد تعهدات وتنازلات

والسؤال المطروح هو: هل يمكن أن يحدث انفراج أمني في لبنان…؟ الجواب نعم، لكنه مرتبط بثلاثة شروط

أولا: نجاح المفاوضات بين لبنان والكيان الأمريكية  

هناك مساع أمريكية لتحويل التهدئة المؤقتة إلى اتفاق أكثر استقرارا يشمل الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، طبعا مع اعتراف كامل بالكيان مشروع التطبيع

ثانيا: تعزيز دور الدولة اللبنانية  

وهذا ما يطرحه رئيسا الجمهورية والحكومة بوضوح، وجعل فكرة وجوب قرار الحرب والسلم؟ بيد الدولة اللبنانية وحدها، وهو ما يشكل أحد محاور النقاش الداخلي والخارجي حاليا وهي أيضا نتاج مخرجات الحرب الأهلية  

ثالثا: تهدئة إقليمية أوسع

مستقبل لبنان اليوم، مرتبط بشكل مباشر بمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران. فكل تقدم في التفاهم الأمريكي الإيراني ينعكس عادة على الجبهة اللبنانية، والعكس صحيح، مما يؤكد طرحنا السابق

ما الذي يمنع الانفراج إذن…؟

هناك أربعة عوامل رئيسية: إصرار الكيان على منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله

رفض حزب الله التخلي السريع عن دوره العسكري دون اتفاقيات ملزمة

استمرار الاحتلال أو بوجوده العسكري في بعض المناطق الحدودية

احتمال توسع أي حادث ميداني محدود إلى مواجهة أكبر

ثانيا: التقدير الأقرب للواقع

لا أعتقد شخصيا، أن لبنان يتجه حاليا إلى حرب شاملة بحجم حرب 2006، لكنني لا أرى أيضا أن البلاد قد دخلت مرحلة استقرار حقيقي، فالمرجح مستقبلا، أي خلال الأشهر المقبلة هو استمرار وضع “اللاحرب واللاسلم”: أي مفاوضات مستمرة، وقف إطلاق نار هش، ضربات متفرقة وتوترات حدودية، ضغوط دولية لتقوية الدولة اللبنانية، وربط الملف اللبناني بمستقبل التوازنات الإقليمية كلها وهو ما حدث اليوم بمحاولة الرئيس “ترمب” الأخيرة لوقف إطلاق النار بين الكيان ولبنان وما تسرب من مكالمات هاتفية من أجل إنجاح المفاوضات مع إيران، ترجح بأن كلا الطرفين متمسك بالآخر رغم الاختلافات ولكن ليس القطيعة..؟بعبارة أخرى: الانفراج الأمني ممكن، لكنه ما زال سياسيا أكثر منه ميدانيا، بينما الميدان حتى الآن يرسل إشارات تصعيد أكثر مما يرسل إشارات استقرار، ومن زاوية أعمق، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل سيتوقف القتال؟ بل أصبح: أي لبنان سيخرج بعد هذه المرحلة؟ لبنان الدولة أم لبنان التوازنات المسلحة؟ وهذا هو الملف الذي سيحدد مستقبل الأمن اللبناني لسنوات، وليس فقط لأشهر، وحتى وإن كان الحل سيكون بيد الولايات المتحدة، في ظل ضعف القدرات الدولية والعربية، فسيكون الحل الذي يخدم الكيان ونحن نرى ما آلت إليه حلول الولايات المتحدة في غزة وفي سوريا

لا شك أن الكيان، يسعى من خلال رؤيته الاستيطانية، إلى تحقيق بيئة إقليمية أكثر أمنا وتفوقا لمصلحتها، مستهدفا إضعاف أو احتواء كل القوى التي يعتبرها تهديدا له، سواء في لبنان، أو فلسطين، أو غيرهما، أو سوريا، أو أي مكان يستطيع الوصول إليه.. كما أن الحكومات الكيان المتعاقبة، بدرجات متفاوتة، حاولت في الماضي والحاضر، ترجمة تفوقها العسكري والدعم الغربي لها إلى مكاسب سياسية واستراتيجية طويلة المدى، لكن يبقى السؤال الأهم هو: هل يستطيع الكيان وحده فرض شكل المنطقة ومستقبلها؟

التجربة التاريخية تشير إلى أن الأمر ما زال أكثر تعقيدا مما نتصور: فالكيان حقق انتصارات عسكرية كبيرة في أكثر من محطة، لكنه لم ينجح دائما في تحويلها إلى ترتيبات سياسية مستقرة. ويمكن الاستشهاد بأمثلة كثيرة منها: الانسحاب من جنوب لبنان سنة 2000، نتائج حرب 2006 التي لم تحقق كل أهداف الكيان المعلنة، استمرار صدى القضية الفلسطينية عالميا رغم عقود من الصراع والترتيبات المتفق عليها غربيا وعربيا، والتي لم تستطع رغم كل الدعم الغربي والخيانة العربية، بل والوطنية، من فرض ترتيبات نهائية في فلسطين وغزة رغم التفوق العسكري الهائل والدعم السياسي والمادي الكبير للكيان

 كل العالم وحتى أصحاب القضية في فلسطين ولبنان، يدركون أن العلاقة بين إسرائيل وواشنطن علاقة استراتيجية استثنائية، وأن الدعم الأمريكي كان ولا يزال أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية. لكن القول إن “الطرف الأمريكي في يد إسرائيل” كليا، قد لا يفسر كل الوقائع، خاصة في ظروف الولايات المتحدة الحالية، فرغم تقاطع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في أحيان كثيرة، إلا أنه، وفي أحيان أخرى تظهر اختلافات جذرية. فللولايات المتحدة، القوة العالمية، حسابات تتعلق بالطاقة، والممرات البحرية، والعلاقة مع الدول العربية، والمنافسة مع الصين وروسيا، واستقرار الاقتصاد العالمي. لذلك فهي ليست مجرد امتداد للسياسة الإسرائيلية، وإن كانت غالبا أقرب إلى إسرائيل من أي طرف آخر في المنطقة، وهنا تبرز المشكلة التي يثيرها كثير من المراقبين اليوم، وهي أن الولايات المتحدة قد لا تكون أسيرة للكيان بقدر ما أنها ترى أن حمايته جزء من مصالحها الاستراتيجية الأساسية، فهو الكيان الذي تعتمد عليه في الهيمنة على المنطقة حتى وإن أفلت منها أحيانا، ومن هنا ينشأ الانطباع بأن أي تسوية إقليمية كبرى يجب أن تراعي أولا الاعتبارات الأمنية للكيان، وإذا ما ربطنا ذلك بلبنان، فيمكن القول إن مستقبل الحرب والسلم لا يتوقف فقط على ما يريده الكيان، بل أيضا على: قدرة اللبنانيين على بناء توافق داخلي، طبيعة العلاقة بين إيران والغرب، مواقف الدول العربية المؤثرة، التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، مدى استعداد القوى الدولية الأخرى للعب الدور الموازن

أما السؤال الذي أراه أكثر عمقا فهو: “هل يريد الكيان السيطرة على المنطقة؟ وهل يستطيع تحويل تفوقه العسكري إلى نظام إقليمي مستقر تقبله كل شعوب المنطقة”؟

هنا تصبح الإجابة أقل وضوحا. فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط يظهر أن القوة العسكرية تستطيع تغيير موازين كثيرة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج استقرار طويل الأمد أو شرعية سياسية دائمة

ولهذا نجد أن المنطقة، رغم كل الحروب والتدخلات منذ عقود، ما زالت تبحث عن معادلة لم تُحسم بعد: معادلة تجمع بين الأمن، والسيادة، والعدالة السياسية.. وغياب هذه المعادلة هو ما يجعل الأزمات تتكرر، سواء في لبنان أو فلسطين أو غيرهما

فيما يخص لبنان، أعتقد أن الصورة ما زالت مفتوحة على أكثر من احتمال. فالتشاؤم مفهوم أمام ما نراه في غزة وفي أجزاء أخرى من المنطقة، لكن التاريخ علمنا أيضا أن التحولات الكبرى لا تسير دائما في خط مستقيم، وأن موازين القوى والسياسات تتغير أحيانا بصورة لم تكن متوقعة.. ولكنني، أظن دائما، أن زاوية “لبنان بين الخوف من التكرار والأمل في الاستثناء” قد تكون مدخلا جيدا، لأنها تتيح مناقشة المخاطر الحقيقية دون الوقوع في الجزم بأن المصير قد حُسم سلفا.

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.