الرئيسية سياسيات الكونغو: ضحية التنافس الدولي على الموارد الطبيعية وبؤرة الأمراض والحروب الأهلية  

الكونغو: ضحية التنافس الدولي على الموارد الطبيعية وبؤرة الأمراض والحروب الأهلية  

الكاتب نفيسة لحرش
7 دقائق قراءة

مقال تحليلي                                                                                                                        

لا نتكلم كثيرا في الإعلام الجزائري عن فيروس إيبولا، وكأنه مرض بعيد عنا، رغم أن الفيروس ينتقل بسرعة مذهلة عبر الحدود الإفريقية، فهل نحن لسنا من إفريقيا، أو لا نعيش فيها..؟ حسب منظمة الصحة العالمية وهيئة المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها: “تعيش الكونغو حالة تعيسة، فالمرض ينتشر بسرعة فائقة في مناطق كثيرة من الوطن خاصة في مناطق الصراع، حيث ازداد عدد المصابين، وأصبح ينتقل بسرعة غير متحكم فيها إلى الدول المجاورة مما ينذر بالتوسع في عدد من الدول الإفريقية، إذ تم تسجيل 200 حالة وفاة وأكثر من 336 حالة يُشتبه فيها، منهم 60 في المئة من النساء والأطفال”، مع التأكد أخيرا من وفاة رجل واحد في أوغندا

هذا وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من هذا الانتشار السريع وارتفاع الأرقام، حتى وإن كانت لا تعكس الحجم الحقيقي للتفشي، مع تزايد المؤشرات على وجود حالات غير مكتشفة، وهو ما يثير المخاوف من انتشار أوسع للمرض.. واللافت أن الكونغو تُعد من أكثر البلدان التي شهدت تفشيات متكررة للمرض منذ اكتشاف الفيروس لأول مرة قرب نهر إيبولا عام 1976، ولذلك “سمي الفيروس باسم النهر”، وهناك أسباب جوهرية تسرع من عملية انتشار الفيروس حسب ما يراه الخبراء والمختصون وهي:  

:توفر المستودع الطبيعي للفيروس

    يُعتقد أن بعض أنواع خفافيش الفاكهة تحمل الفيروس دون أن تمرض، وتعيش هذه الخفافيش في الغابات الاستوائية الواسعة بالكونغو. وعندما يحدث احتكاك بين البشر والحيوانات البرية المصابة (كالخفافيش أو بعض القردة)، يمكن أن ينتقل الفيروس إلى الإنسان

 :اتساع المناطق الغابية وصعوبة الوصول إليها

كثير من القرى تقع داخل غابات كثيفة أو مناطق نائية، ما يجعل اكتشاف الحالات وعزلها ونقل المصابين إلى المراكز الصحية أمراً بطيئاً، وهو ما يسمح للمرض بالانتشار قبل التدخل الصحي.  

 :ضعف البنية الصحية

                                                                                               رغم التحسن النسبي خلال السنوات الأخيرة، لا تزال بعض المناطق  الكونغولية تعاني نقصاً  كبيرا في المستشفيات والمختبرات والكوادر الطبية، خاصة في الأقاليم الشرقية والريفية، مما يصعّب من احتواء أية بؤرة جديدة وبالسرعة المطلوبة  

 :النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار الأمني

 شهد شرق الكونغو لسنوات طويلة وجود جماعات مسلحة ونزاعات محلية، وهذه النقطة بالذات مهمة جداً: فعندما تتوقف فرق الصحة عن العمل بسبب انعدام الأمن، يتأخر تتبع المخالطين للمصابين وتتوسع بذلك دائرة العدوى. وقد أكدت منظمة الصحة العالمية بأن: انعدام الأمن كان من أبرز العوامل التي أعاقت السيطرة على كثير من التفشيات السابقة

 :التنقل المستمر للسكان

هناك حركة كبيرة بين القرى والمدن والحدود مع دول مجاورة مثل أوغندا ورواندا وجنوب السودان، سواء للتجارة أو للعمل أو حتى للنزوح، والهروب من الحروب، مما يزيد من احتمال انتقال المرض من منطقة إلى أخرى وصعوبة اكتشافه  

 :بعض العادات الاجتماعية

في بعض المناطق، تتضمن مراسيم الدفن التقليدية بعض الطقوس منها ملامسة جثمان المتوفى، الأمر الذي يؤدي إلى انتقال العدوى، لأن الفيروس يبقى موجوداً بكثافة في سوائل جسم المصاب المتوفى,. ولهذا تركز السلطات الصحية على ما يسمى بـ”الدفن الآمن” لعله يحد من الانتقال السريع للفيروس  

 هل الوضع الحالي خطير؟

نعم، فقد شهدت الكونغو خلال الأشهر الأخيرة تسجيل حالات إصابة ووفيات جديدة مرتبطة بإيبولا، ما دفع بالسلطات المسؤولة في الدولة مع منظمة الصحة العالمية إلى تفعيل حملات التطعيم وتتبع المخالطين للمصابين لمحاولة الحد من انتشار المرض.. لكن ومن زاوية أوسع، فإن قصة إيبولا في الكونغو، ليست مجرد قضية صحية؛ بل هي حالة تعكس تأثير الفقر، وضعف الخدمات العامة، والنزاعات المسلحة، وسيطرة الذهنيات المتحجرة لفترات طويلة، والتكالب على ثرواتها الطبيعية وصعوبة إدارة دولتها الشاسعة المساحة ذات الغابات الكثيفة والحدود الطويلة.. كل ذلك يجعل أمر القضاء على الفيروس نهائياً يخضع إلى كم كبير من الأدوية واللقاحات، بل ويحتاج إلى استقرار أمني وتنمية محلية مستدامة، تتحمل فيها الدول الغربية مسؤولياتها الأمنية، وعبء توفير العلاج، على الأقل من تعويض ما خلفه تواجدها منذ الإستقلال من أضرار الإستغلال المتواصل لخيرات الكونغو التي لا تنتهي دون أي مقابل ترقوي أو تنموي  

فمن الناحية الواقعية، شاركت جهات دولية عديدة في تطوير لقاحات وعلاجات أثبتت فعاليتها خلال السنوات الأخيرة، كما ساهمت دول غربية ومنظمات دولية ومؤسسات بحثية  أخيرا في تمويل مكافحة إيبولا، وتطوير اللقاحات، وإنشاء مراكز للعلاج والتشخيص داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية ذاتها. مما قلل من حصيلة الوفيات، وحد من تفشيات أكبر بكثير..  لكن في المقابل، يطرح كثير من الباحثين والمثقفين الأفارقة سؤالاً مهما: إذا كانت الكونغو من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية (الكوبالت، النحاس، الذهب، الكولتان الماس وغيرها..)، فلماذا ما زالت قطاعات واسعة من سكانها تعاني من الفقر وضعف الخدمات الصحية والتعليمية..؟

هنا تبرز عدة عوامل متشابكة تربط بين ما هو صحي وما هو سياسي واقتصادي: فالإرث الاستعماري لعب دورا سلبيا في استقرار البلد، حيث ترك دولة واسعة بحدود شاسعة ومؤسسات هشة تعاني من عقود من الحروب الأهلية والصراعات القبلية المسلحة المدعمة استعماريا، دون أي دور إيجابي وفعال، لأن تلك الوضعية تضمن له الإستمرار في الإستغلال، كما أن  الفساد وسوء الإدارة داخل مؤسسات الدولة في فترات مختلفة، والتي  كان يرعاها أيضا غلاة التنافس الدولي والإقليمي لاستمرار استغلال الموارد الطبيعية والإبقاء على استخراج المواد الخام أكثر من  المساعدة في بناء التنمية المحلية وتحطيم الإقتصاد الوطني  

لذلك يرى بعض النقاد والمحللين بأن:”المجتمع الدولي نجح نسبياً في “إدارة الأزمات” الصحية مثل   إيبولا، لكنه لم ينجح  بالقدر نفسه في معالجة الأسباب العميقة التي تجعل الأزمات تتكرر..؟  لكن الأدهى من كل ذلك، هي مسألة “تغيير الذهنيات”، التي هي أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.. فالثقافات والعادات لا تتغير بقرارات فورية، ولا بحملات توعية بسيطة وقصيرة المدى، بل تمر عبر جودة التعليم واستقرار المجتمع والثقة المتبادلة بين الدولة السكان، مع نطافة في تسيير المؤسسات الحاكمة في مجمل مناطق الكونغو، ولن يتغير شيء من ذلك، إن لم يلمس المواطن ذلك يوميا..؟ فقد أثبتت التجارب التاريخية المريرة مع الاستعمار والاستغلال الاقتصادي إلى وجود شكوك تجاه السلطات وحتى تجاه الفرق الطبية الأجنبية أحياناً، مما صعّب جهود مكافحة الوباءبعبارة أخرى: نعم، ساعدت الدول الغربية والمؤسسات الدولية في توفير العلاج ومكافحة المرض، لكن هذا لا يلغي وجود نقاش مشروع حول ما إذا كانت الثروات الهائلة التي خرجت من الكونغو عبر عقود طويلة قد انعكست فعلاً على مستوى التنمية والصحة والبنية التحتية للسكان المحليينوهذا النقاش لا يقتصر على الكونغو وحدها، بل يطرح أيضاً في عدد من البلدان الغنية بالموارد في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا: كيف يمكن أن تكون الدولة غنية بالثروات الطبيعية بينما يبقى جزء كبير من شعبها فقيراً؟ والإجابة غالباً تكمن في تداخل العوامل الداخلية مع الخارجيةً، وليس في عامل واحد فقط

لقد لفت انتباهي عندما بدأت البحث عما وراء الأرقام: أن وضع النساء والأطفال، وعلاقة الثروة بالتنمية، ودور العادات الاجتماعية، ومسؤولية الفاعلين المحليين والدوليين.. أمر شديد الإرتباط وهي الزاوية التي أعتقد أن موضوع الكونغو فيها، يحمل مفارقة مؤلمة: أرض من أغنى بقاع العالم بالموارد الطبيعية، لكنها ما تزال تكافح من أجل توفير أبسط مقومات الأمان الصحي والإنساني لسكانها وعندما نحاول أن ننظر إلى فيروس إيبولا من هذا المنظور، يصبح الفيروس جزءً من قصة أكبر تتعلق بالتنمية والعدالة الاجتماعية والاستقرار، وليس مجرد أزمة صحية عابرة، فعندما تناقش الوقائع على الطاولة، تطرح الأسئلة عن مدى ضرورة إشراف الأجانب على فرض معاهدات سلام إذا كان المواطن الكونغولي نفسه لا يؤمن بها..؟ وهل يمكن للسلام أن يصبح علاجاً غير مباشر للأوبئة؟

فالاتفاق الذي رعته إدارة الرئيس الأمريكي في سنة 2025، وما تم  له من دعاية، كان تأثيره المحتمل على الوضع الإنساني والصحي سيكون  والنفسي كبيراً، لأن الاتفاق استهدف خفض التوترات وفتح المجال للمساعدات الإنسانية وعودة النازحين وتحسين التعاون الإقليمي، لكن كل ذلك بقي نظريا، لأنه يجب علينا التمييز بين السلام الموقع على الورق والسلام المطبق على الأرض..؟

ها نحن قد تجاوزنا السنة، فهل تم تقليص نشاط الجماعات المسلحة، وهل تم عودة النازحين إلى قراهم، وهل تم فتح الطرق أمام الخدمات الصحية، وهل تم وصول فرق التلقيح والعلاج إلى المناطق المعزولة، لو نجح السلام الموقع بين هذه الأطراف في الكونغو، لكان قد نجح  شبيهه في غزة..؟ المشكلة ليس في مضمون الإتفاق، بل في ما تنشره التقارير اللاحقة التي أظهرت استمرار الاشتباكات في المناطق الشرقية، رغم توقيع الاتفاق، هذا الإتفاع  الذي أبقى على قضية الجماعات المسلحة معقدة للغاية وهو نفسه ما حدث ويحدث في غزة منذ عام كامل، وما يحدث في لبنان..؟

إن ما سيحسن قدرة الكونغو على مواجهة إيبولا وسوء التغذية وأمراض أخرى كثيرة، وتوفير الأمن والصحة، هو العودة  إلى تحقيق مبدإ الوحدة الوطنية وتقاسم خيرات الوطن مع المواطنين الكونغوليين وليس مع الشركات الأجنبية؟ هل يستطيع أي اتفاق سلام أن يحول ثروة الكونغو إلى تنمية حقيقية؟ هنا تكمن العقدة الأساسية: فلو تحققت تهدئة دائمة، فإن أموال الكونغو التي تُهدر في الحرب يمكن أن تُوجَّه إلى المستشفيات، المدارس، شبكات المياه والطرقات، حماية النساء والأطفال، البنية التحتية الصحية في المناطق النائية، وهو ما لا يريده أحد..؟

لذا فإن بقاء السلام  مجرد إطار لتقاسم النفوذ الاقتصادي أو الوصول إلى المعادن دون تحسين حياة السكان،  طبعا فإن المرأة الكونغولية والطفل الكونغولي لن يلمسا فرقاً كبيراً في حياتهما اليومية، حتى لو انخفضت حدة القتال. وقد أشار عدد من المحللين إلى أن ملف المعادن الاستراتيجية كان حاضراً بقوة في خلفية المفاوضات، إلى جانب الأهداف الأمنية والسياسية..

ربما لا يكون الامتحان الحقيقي لأي اتفاق سلام في الكونغو مرتبط بعدد البنود الموقعة أو الصور  التذكارية للقادة، بل بعدد الأسر التي ستجد مركزاً صحياً قريباً، وعدد الأطفال الذين سيبقون في مدارسهم، وعدد النساء اللواتي لن يضطرين إلى الاختيار بين الجوع والإغتصاب والمخاطرة بحياتهن وأطفالهن في أعماق الغابات.. عندها فقط يمكن القول إن السلام قد انتصر على الحرب، وعلى الأوبئة أيضاً..؟

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.