تحمل زيارة عبد المجيد تبون إلى تركيا في هذا التوقيت دلالات ورسائل عدة تتجاوز الجانب الثنائي التقليدي، كونها تأتي وسط حالة إعادة تشكل سياسي وأمني واسعة للشرق الأوسط بسبب الحروب المتصاعدة، والتوترات الممتدة من غزة إلى إيران ولبنان والخليج وما يحاذيها في منطقة البحر المتوسط: فالرسالة الأولى التي نستشفها من هذه الزيارة، هي رسالة ترتبط بمحاولة بناء محور تنسيق إقليمي بين دولتين ترفضان الانخراط الكامل في الاستقطاب الدولي الحالي، لكنهما في الوقت نفسه تريدان لعب دور سياسي مؤثر. فكل من الجزائر وتركيا حافظتا خلال الأزمة على خطاب داعم للفلسطينيين، وموقف محايد من الخليجيين مع اختلاف أدوات التحرك وحدود العلاقة مع الغرب وحلف الناتو.
أما الرسالة الثانية، فهي رسالة تتعلق بإدراك الجزائر بأن الحرب لم تعد فقط عسكرية، بل أصبحت حربًا على خطوط الطاقة، والممرات التجارية، والتموقع الجيوسياسي في المتوسط وإفريقيا. وهنا تصبح تركيا اللاعب في كل هذه المساحات شريكًا مهمًا لعدة أسباب:
- موقعها الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا.
- امتلاكها صناعة عسكرية وتكنولوجية متقدمة نسبيًا.
- حضورها المتزايد في إفريقيا وليبيا وشرق المتوسط.
- قدرتها على التفاوض مع الغرب وروسيا في آن واحد.
أما في المقابل، فإن الجزائر تمتلك عدة عناصر تحتاجها أنقرة أيضًا وهي مادة الصراع ظاهريا ذات الصلة بالأحداث الآنية:
- الطاقة والغاز.
- العمق الإفريقي والساحلي.
- الاستقرار الداخلي مقارنة بمحيط إقليمي متوتر.
- موقع استراتيجي في غرب المتوسط.
واللافت أيضًا هو أن الزيارة ليست بروتوكولية فقط كما هو بارز، بلهي زيارة أفرزت تشكيلة حيوية في انعقاد أول مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى بين البلدين ستثمر اتفاقيات مرتقبة في الاقتصاد والطاقة والاستثمار والتنسيق السياسي. وهو ما يعني أن العلاقة تنتقل من مجرد تعاون اقتصادي إلى محاولة تأسيس شراكة استراتيجية طويلة المدى.
وفي لحظة إقليمية شديدة الاضطراب كهذه،تأتي زيارة الرئيس الجزائري إلى تركيا كخطوة عملاقة تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي المعتاد، لتطرح سؤالًا أعمق:
كيف تستعد الدول المتوسطية في منطقة الشرق الأوسط، التي قد يُعاد تشكيلها بالقوة والحرب والخرائط الجديدة؟ فالمنطقة اليوم لا تعيش مجرد مواجهة عسكرية مرتبطة بغزة أو بإيران أو بلبنان، بل تبدو أمام مرحلة إعادة ترتيب شاملة، تتداخل فيها الجغرافيا بالطاقة، والأمن بالاقتصاد، والتحالفات القديمة بالمشاريع الجديدة.
وفي قلب هذا المشهد، لا تخفي الولايات المتحدة والكيان رغبتهما في بناء شرق أوسط مختلف، أكثر التصاقًا بالمصالح الغربية الأمريكية مع حليفهما، الكيان، وأقل قابلية لظهور قوى إقليمية مستقلة خارج هذا المسار.
من هنا، تبدو الزيارة الجزائرية إلى أنقرة أقرب إلى محاولة قراءة المستقبل، لا مجرد إدارة الحاضر.. فالجزائر تدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول المتوسطية ليس فقط الحرب نفسها، بل أن تُصاغ ترتيبات ما بعدها دون حضورها أو تأثيرها..
ولهذا يصبح التقارب مع تركيا جزءًا من محاولة أوسع لتفادي العزلة الاستراتيجية في منطقة تتجه نحو محاور أكثر صلابة واستقطابًا.
وإذا كانت الجزائر تتحرك بحذر تقليدي معروف في سياستها الخارجية، فإنها تدرك أيضًا أن التحولات الحالية قد تمتد آثارها إلى شمال إفريقيا والساحل والمتوسط.
فأي انفجار واسع في المشرق لن يبقى محصورًا هناك:
فليبيا قد تدخل هشاشة أكبر، والساحل الإفريقي قد يتحول إلى ساحة اضطراب مفتوحة، وهناك أزمات ستطرح بحدة كالطاقة والهجرة والتموين، وحتى الجماعات المسلحة فقد يعاد توظيفها من جديد ضمن خرائط النفوذ الجديدة. في هذا السياق، تبدو تركيا شريكًا مهمًا للجزائر، ليس فقط بسبب العلاقات الاقتصادية المتنامية، بل لأنها تمثل نموذج دولة تحاول الحفاظ على استقلالية نسبية داخل النظام الدولي، رغم بقائها عضوًا في حلف شمال الأطلسي.
فأنقرة: تتعامل مع الغرب وروسيا معًا، وتمتلك صناعة عسكرية وتقنية متقدمة نسبيًا، كما تملك نفوذًا في المتوسط وإفريقيا، وتحاول أن تكون لاعبًا لا مجرد تابع. وهذا الأمر هو ما قد يهم الجزائر أكثر من الاتفاقيات التجارية نفسها، أي فهم الجزائر لكيفية بناء هامش مناورة داخل الخوف من أن تتحول إعادة تشكيل عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد، في نفس الوقت تكشف الزيارة عن قلق أعمق لدى الجزائر: كـتشكيل الشرق الأوسط وتوسيعه إلى عملية تمتد لاحقًا نحو الفضاء المغاربي والإفريقي..
فالتحولات الجارية لا تتعلق فقط بالحدود السياسية، بل أيضًا بمن يسيطر على: الموانئ، خطوط الطاقة، البنى الرقمية، الاتصالات، الأقمار الصناعية، وسلاسل التموين العالمية.. أي أن الحرب الحالية ليست عسكرية فقط، بل حرب سيادة ونفوذ طويل المدى. ومن هنا يمكن فهم سعي الجزائر إلى توسيع شراكاتها التقنية والاقتصادية والسياسية، حتى لا تجد نفسها لاحقًا رهينة لبنى دولية تتحكم فيها قوى أخرى بالكامل. ومع ذلك، فإن التقارب الجزائري التركي لا يعني بالضرورة قيام محور متكامل، إلا أن البلدان يتحركان ضمن حسابات مختلفة ودقيقة: فتركيا تبقى جزءًا من المنظومة الغربية رغم خلافاتها معها، فهي تتمتع بعلاقات اقتصادية وأمنية مع الكيان والغرب.
بينما تحافظ الجزائر على خطاب أكثر تحفظًا تجاه السياسات الغربية في المنطقة.. كما أن الولايات المتحدة نفسها لا تبدو مستعدة للتخلي عن أي من الطرفين بسهولة، فتركيا تمثل ركيزة استراتيجية داخل الناتو، بينما تبقى الجزائرعنصر استقرار مهمً في شمال إفريقيا والساحل والطاقة المتوسطية.. لكن واشنطن، في المقابل، تمنح أيضا أولوية واضحة لأمن الكيان، ولمشروع إعادة ترتيب المنطقة بما ينسجم مع مصالحها الكبرى.
وهنا تحديدًا تكمن مخاوف دول مثل الجزائر.. ليس فقط من الحرب القائمة، بل من شكل السلام المنتظر أو النظام الإقليمي الذي قد يولد بعدها، لذلك فقد لا تكون زيارة الرئيس تبون إلى تركيا محاولة لبناء محور بقدر ما هي محاولة لبناء شبكة أمان سياسية واستراتيجية، تسمح للجزائر بالمشاركة في التوازنات القادمة بدل الاكتفاء بمراقبتها من بعيد..وفي عالم يتغير بسرعة، فلربما لم يعد السؤال:
من سيربح الحرب؟ بل: من سينجح في منع إعادة صياغة دولته من الخارج؟
في النهاية، إنه لا يمكن اعتبار زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى تركيا كمجرد زيارة ثنائية، بل إني أعتقد ومن خلال قراءاتي للأحداث وللتحليلات الإعلامية والإستخباراتية الجزائرية والدولية، بأنها محاولة لإعادة تشكيل التعاون في المنطقة تحت ظروف الخليجية الحرب وضغوط التحالفات الجديدة، والتسارع نحو تشكل العالم الجديد الذي لا تضمن تداعياته المباشرة وغير المباشرة.
