بقلم : نفيسة لحرش
بين رمزية الأسماء وضجيج السرديات.. تتحول الشخصيات الهامشية إلى أدوات في معارك الإدراك..؟
في زمن الحروب، لا تتحرك الجبهات وحدها، بل تتحرك معها سرديات موازية، لا تقل تأثيرًا عن وقع الصواريخ. هناك، في المساحات الرمادية بين الخبر والتأويل، تُصنع معارك أخرى، أكثر هدوءًا في ظاهرها، لكنها أشد أثرًا في تشكيل الوعي العام.
ضمن هذا السياق، يُستدعى اسم ميلانيا ترامب، لا باعتبارها فاعلًا سياسيًا مباشرًا، بل بوصفها رمزًا قابلًا لإعادة التوظيف في لحظة مشحونة. فمجرد اقترانها بمركز القرار، من خلال ارتباطها بـ دونالد ترامب، يمنح أي تصريح منسوب إليها—أو حتى مجرد تداول اسمها—قابلية استثنائية للانتشار والتأثير.
غير أن ما يُنسب إلى ميلانيا لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا عابرًا. فحتى إن ظلّ موقعها بعيدًا عن دوائر القرار المباشر، فإن قوة التصريح—أو قوة تداوله—تكمن في رمزيته، لا في مضمونه فقط. إذ يكفي أن يصدر، أو يُشاع أنه صدر، عن شخصية مرتبطة بمركز السلطة، حتى يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الرأي العام. هنا، لا يعود السؤال: ماذا قيل؟ بل: لماذا يُراد لهذا القول أن يُسمع الآن؟
لقد كشفت التطورات الأخيرة أن الحروب لم تعد تُدار فقط عبر الوقائع الميدانية، بل عبر إدارة الإدراك. فكلما تعقّد المشهد، ازداد الاعتماد على أدوات غير تقليدية: تسريبات، قراءات متضاربة، وتوظيف انتقائي لشخصيات بعينها، تُستدعى لتأدية أدوار تتجاوز حضورها الفعلي.
في هذا الإطار، تتحول الإشاعة إلى أداة استراتيجية، لا مجرد خطأ إعلامي. فهي تُستخدم لاختبار ردود الفعل، أو لتهيئة الرأي العام، أو حتى لإرباكه، دون الحاجة إلى التورط في مواقف رسمية واضحة. وهنا، تتقدم “القيمة الرمزية” على “الحقيقة المجردة”.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الإشاعة ذاتها، بل في البيئة التي تستقبلها. فالمتلقي، المثقل بتدفق المعلومات وتناقضها، يصبح أكثر قابلية لتصديق ما ينسجم مع مخاوفه أو قناعاته المسبقة. وهكذا، تتحول الشخصيات العامة إلى “حوامل معنى”، يُسقط عليها ما يتجاوزها بكثير.
من هذا المنظور، لا تكون ميلانيا موضوعًا بحد ذاتها، بقدر ما تصبح مرآة لآلية أوسع: كيف يُعاد تشكيل الرموز، وكيف تُستثمر الأسماء، وكيف تتحول الهوامش إلى مداخل للتأثير في صلب الأحداث.
وإذا كان هذا النمط من توظيف الأسماء والرموز يبدو مرتبطًا بالسياق الأمريكي، فإن صداه لا يتوقف عند حدوده. ففي الفضاءات العربية، ومنها الجزائر، حيث يتزايد استهلاك الأخبار عبر وسائط رقمية متسارعة، تصبح مثل هذه السرديات أكثر قابلية للانتقال وإعادة الإنتاج. هنا، لا تُستقبل الإشاعة بوصفها خبرًا خارجيًا فقط، بل كجزء من مناخ عام مشحون، يعيد تشكيل العلاقة مع الحقيقة، ويجعل التمييز بين الوقائع والتوظيف مهمة أكثر تعقيدًا.
ومع اتساع رقعة التوتر، ودخول أطراف جديدة إلى معادلة الصراع، يبدو أن هذه الحروب الرمزية مرشحة لمزيد من التصاعد. فحين تتعثر السياسة، وتتداخل المصالح، يصبح التحكم في السرديات بديلاً عن الحسم في الواقع، أو على الأقل أداة مرافقة له.
في النهاية، لسنا فقط أمام تصريح أو إشاعة، بل أمام نمط متكامل من إدارة الصراع، حيث لا تكون الحقيقة غائبة بالضرورة، لكنها تصبح واحدة من بين عدة روايات تتنافس على فرض نفسها.
“لم يعد السؤال: ماذا قيل؟ بل: لماذا يُراد لهذا القول أن يُسمع الآن؟”
وهنا، يبقى السؤال مفتوحًا:هل ما نشهده مجرد ضجيج عابر… أم أن الإشاعة أصبحت بالفعل إحدى جبهات الحرب الحديثة؟ يكفي أن نتابع منهج الرئيس ترمب في مسايرة وقائع الحرب لنثبت صحة ادعاتنا في هذا الرأي، وفي النهاية: علينا أن نطرح سؤالا جوهريا، ليس فقط: ما هي الحقيقة وما مداها، بل: من يملك حق إنتاجها؟ لأن منتجها هو من يملك الرواية المستوحاة…؟؟
