لم تكن الحرب بين إيران والولايات المتحدة والكيان يومًا، حربًا تقليدية تُعلن ببيانات رسمية، بل ظلت لسنوات طويلة تتحرك في الظل، عبر الاغتيالات، والعقوبات، والحروب بالوكالة. غير أن التحولات الأخيرة كشفت عن انتقال تدريجي من “حرب خفية” إلى مواجهة شبه مباشرة، تتداخل فيها الجغرافيا مع التكنولوجيا، وتُختبر فيها حدود الردع بشكل غير مسبوق.

أولا- من حرب الظل إلى حافة الانفجار
منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد، اعتمدت إيران على استراتيجية “الصبر الاستراتيجي”، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى سياسة الرد غير المباشر عبر حلفائها في المنطقة، في المقابل، كثّفت إسرائيل عملياتها الاستخباراتية والعسكرية داخل العمق الإيراني، مستهدفة منشآت نووية وشخصيات علمية، في محاولة لإبطاء البرنامج النووي دون الانجرار إلى حرب شاملة.. لكن ما تغيّر مؤخرًا هو أن قواعد الاشتباك نفسها بدأت تتآكل، حيث لم تعد الضربات محصورة في الظل من أجل تأجيل البرنامج، بل باتت أكثر وضوحًا وجرأة، من أجل السيطرة على منطقة الشرق الأوسط التي تبنتها الولايات المتحدة بأكثر وضوح في ظل سياستها للسيطرة على منابع الطاقة والممرات التجارية، ما رفع منسوب المخاطر بشكل أكبر ليشكل صراعا محتملا للقوى الدولية
ثانيًا: جغرافيا مشتعلة… من الخليج إلى المتوسط
لكن مع تجاوز المواجهة الأطراف الثلاثة، وتحولها إلى شبكة نزاعات تمتد عبر عدة ساحات، حسب المخاطر والمصالح، برزت في الصراع كتل أخرى:
الخليج العربي: حيث تهديد الملاحة في مضيق هرمز يشكل ورقة ضغط إيرانية استراتيجية
العراق وسوريا: كساحات مفتوحة للنفوذ والتصادم غير المباشر
لبنان: ذراع إيران، عبر دور المقاومة الممثل في حزب الله في معادلة الردع مع الكيان
البحر الأحمر: الذي دخل حديثًا ضمن مسرح التوترات المرتبطة بالممرات التجارية العالمية، هذا التمدد الجغرافي جعل أي مواجهة محتملة ليست مجرد حرب إقليمية، بل أزمة دولية ذات تأثير مباشر على الطاقة الخليجية والتجارة العالمية
ثالثًا: توازن الردع الهش… من يملك قرار الحرب؟
تعتمد الأطراف الثلاثة على مفهوم “الردع المتبادل”، لكن هذا الردع أصبح هشًا لعدة أسباب:
تعدد الفاعلين: لم تعد الدول وحدها تتحكم في مسار التصعيد
تسارع الردود: الضربات والردود أصبحت أقرب زمنيًا، ما يقلل فرص الاحتواء
التصعيد النتيجة هي وضع يشبه “حافة الهاوية”، حيث يمكن لخطأ تكتيكي صغير أن يتحول إلى مواجهة واسعة
التكنولوجيا العسكرية: من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الدقيقة، التي خفّضت كلفة الحرب
رابعًا: هل نحن أمام حرب كبرى أم إدارة صراع؟
: رغم كل مظاهر التصعيد، لا يبدو أن أي طرف يرغب فعليًا في حرب شاملة
إيران تدرك كلفة المواجهة المباشرة على نظامها واستقرارها الداخلي، الولايات المتحدة تحاول تجنب انخراط عسكري واسع في الشرق الأوسط، الكيان يسعى لضرب خصومه دون فتح جبهات متعددة في وقت واحد لذلك، يبدو أن ما يجري هو إدارة صراع عالي الكثافة، وليس التمهيد لحرب شاملة… على الأقل في المدى القريب
الخاتمة: الشرق الأوسط بين منطق القوة وحدود الانفجار؟
تظهر تطورات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والكيان، أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد تقاس فيها الحروب بإعلانها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار دون أن تنفجر بالكامل، إنها حرب تُدار بعناية، لكنها تحمل في داخلها كل احتمالات الانفجار
ما وراء الحرب: الأسباب غير المرئية للصراع
- الصراع ليس نوويًا فقط… بل صراع على “شكل النظام الإقليمي”
ظاهريًا، يتمحور التوتر حول البرنامج النووي لـ إيران، لكن في العمق هو صراع على:
من يملك حق تشكيل توازنات الشرق الأوسط
من يحدد قواعد الأمن الإقليمي
ومن يقتنص الهيمنة لصالحه، خاصة الولايات المتحدة وحلفائها، التي تعمل على عدم تشكل نظام متعدد الأقطاب
في حين يرى الكيان، في هذا التحول الذي قد تقوده إيران تهديدًا وجوديًا، وليس مجرد خطر عسكري.
- الاقتصاد والطاقة… الحرب الصامتة
المنطقة ليست فقط ساحة صراع سياسي، بل قلب الاقتصاد الطاقوي العالمي:
مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بيد إيران
أمن الإمدادات النفطية أولوية قصوى لدى الولايات المتحدة
دول الخليج تحاول حماية استقرارها دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة
وبالتالي، فأي تصعيد ليس فقط عسكريًا، بل هزة محتملة للاقتصاد العالمي ككل.
- الضغوط الداخلية: العامل الأكثر تجاهلًا… والأخطر
دواعي الغموض وإمكانية استمرارية الحرب من عدمها:
داخل إيران:
ضغوط اقتصادية خانقة بسبب العقوبات
حاجة النظام لإظهار القوة خارجيًا لتعزيز التماسك الداخلي
داخل الكيان:
الهروب من المحاكمة، وتفادي أزمات سياسية داخلية متكررة
استخدام “التهديد الإيراني” كعنصر للتوحيد الداخلي
داخل الولايات المتحدة:
انقسام داخلي حول الحروب المستجدة، ودورها في توتير الشرق الأوسط
حسابات انتخابية تجعل أي حرب شاملة خيارًا مكلفًا
في الخليج:
سعي إلى التوازن بين الأمن والاستقرار الاقتصادي
تجنب التحول إلى ساحة حرب مباشرة
خلاصة حاسمة:
في كثير من الأحيان، التصعيد الخارجي هو انعكاس لأزمات داخلية، وليس العكس.
- البعد الدولي: صراع نفوذ يتجاوز المنطقة
لا يمكن فصل ما يحدث عن مجريات التنافس الدولي الأوسع:
تراجع نسبي للدور المباشر لـ الولايات المتحدة
محاولات قوى أخرى لملء الفراغ
إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية
بمعنى آخر، الشرق الأوسط أصبح ساحة اختبار لنظام عالمي جديد..؟ أي أن ما يجري ليس مجرد:
صراع نووي
أو مواجهة عسكرية
أو حتى إدارة توتر
بل هو صراع على إعادة تعريف القوة، والشرعية، والنفوذ… تحت ضغط داخلي وخارجي متشابك
ولهذا تحديدًا أنا أعتبر أن:
الهدنة لا تعني نهاية الحرب
والمفاوضات لا تعني حلًا نهائيا للحرب
والتصعيد لا يعني بالضرورة حربًا شاملة
بل أعتقد أننا أمام ديناميكية مستمرة تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. فإذا كانت الهدنة التي لا تُنهي الحرب، ولكنها قد تعيد إدارة الصراع وإعادة تشكيله، إذ لم يعد دقيقًا وصف ما يجري بأنه فقظ مجرد “إدارة صراع”. فالأطراف الثلاثة لا تسعى فقط إلى احتواء المواجهة، بل إلى إعادة تشكيل قواعدها: إيران تعمل على تثبيت نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها
الكيان يحاول منع أي تحول استراتيجي يهدد تفوقه
الولايات المتحدة تسعى لإدارة التوازن دون الانغماس في حرب مكلفة، والنتيجة: صراع لا يُحسم، بل يُعاد إنتاجه باستمرار.. وحتى وإن أعلنت هدنة، جديدة، أو استمرت الهدنة الحالية واستمرار المفاوضات المباشرة أوغير المباشرة فإن ذلك لا يعني نهاية التوتر نظرا لتضارب المصالح القوي، والذي سيعمل كل طرف على:
محاولة لتفادي الانفجار
إعادة ترتيب موازين القوة
اختبار حدود الردع
وهي بالتالي ستكون هدنة وظيفية، هدفها إدارة الخطر لا إنهاؤه.
حين تتحول الحرب بين الدول الثلاث إلى صراع على شكل العالم… فأين ستقف الجزائر؟
الجزائر… أين موقعها وسط هذا التعقيد الدولي، هل ستبرز كفاعل مختلف، ليس بحكم القوة العسكرية المباشرة، بل من خلال: 1. عقيدة الجزائر الدبلوماسية القائمة على عدم الانحياز، والتي تحافظ على مسافة من محاور الصراع، ما يمنحها قدرة على الفهم والتواصل مع مختلف الأطراف.
- أهميةالجزائر الطاقوية المتزايدة، ففي ظل اضطراب الإمدادات العالمية، من المؤكد أن تتحول الجزائر إلى شريك موثوق في سوق الطاقة، خاصة نحو أوروبا، ما سيعزز وزنها الاستراتيجي أكثر.
- تجربةالجزائر التاريخية في الوساطة، وإرثها في دعم حركات التحرر والدبلوماسية قد يمنحها مصداقية في لعب أدوار تهدئة محتملة.
- هاجس االاستقرار الإقليمي
وأي انفجار في الشرق الأوسط سينعكس على شمال إفريقيا، ما سيجعل الجزائر معنية بتفادي التصعيد.. وبالتالي، لن يصبح موقع الجزائر على هامش الصراع، بل في قلب توازناته غير المباشرة.
أما الجزائر، فتبقى أمام تحدٍ دقيق:
كيف تحافظ على توازنها، وتحوّل موقعها إلى قوة تأثير، لا مجرد موقع مراقبة؟

الجزائر إذن، وهي تراقب هذا التحول من موقع التوازن، فربما تجد نفسها أمام سؤال يتجاوز الجغرافيا والسياسة:
كيف يمكن لدولة كالجزائر أن تحافظ على عقلانيتها في عالمٍ يتجه نحو اللايقين؟ ذلك هو التحدي الحقيقي…
ليس تحديا فقط في تجنب الصراع، بل في فهمه قبل أن يُعيد تشكيل الجميع.
الخاتمة الموسّعة لموضوعنا: ما هو بين وهم السيطرة وحقيقة الهشاشة، وما يبدو صراعا، لكنه في النهاية يعيد تعريف نفسه… والعالم معه
في ظاهر المشهد، يبدو أن كل طرف يمسك بخيوط اللعبة: فتطلق التهديدات بحساب، وتُدار الضربات بدقة، وتُفتح قنوات التفاوض في الوقت المناسب، لكن العمق، يكشف هذه “الدقة” نفسها عن مفارقة عميقة: كلما زادت محاولات التحكم في الصراع، ازدادت هشاشته، ذلك أن الحروب المعاصرة لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل بالتصورات، وبالضغوط الداخلية، وبالرهانات المؤجلة. وهنا تحديدًا، يصبح الخطر الأكبر: ليس في قرار الحرب، بل في الاعتقاد بإمكانية السيطرة عليها.
ما بين إيران والولايات المتحدة والكيان، لا أحد يريد الحرب الشاملة، لكن لا أحد يملك أيضًا ضمان تجنبها. إنها منطقة رمادية، حيث تتحول الهدنة إلى مجرد إيقاع أبطأ للصراع، لا توقفًا له.في هذا السياق، لا يبدو الشرق الأوسط فقط كساحة نزاع، بل كمرآة لعالمٍ يتغير، بل هوعالمٍ تتراجع فيه اليقينيات،
وتتصاعد فيه الفواعل، وتُعاد فيه صياغة القوة خارج القوالب التقليدية.
ما يجري بين إيران والولايات المتحدة والكيان، ليس حربًا تقليدية، ولا سلامًا مؤجلًا، بل هي عملية مستمرة لإعادة تعريف القوة، تحت ضغط داخلي وخارجي متداخل، وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الهدنة كعلامة استقرار، ولا التصعيد كدليل على حرب وشيكة، بل كجزء من لعبة أكبر، تتشكل فيها ملامح نظام إقليمي—وربما عالمي—جديد.
