بقلم : نفيسة لحرش
تأخرت في كتابة هذه الكلمة التأبينية، ليس لعدم إحساس بغصة الألم، بل حتى أتمكن من الاطلاع على ما كتبه عنه من عرفوه، ومن لامسوا تعاملات رجل ليس ككل الرجال…؟ لم يغريه المنصب، ولم يبعده بروتوكول السلطة عن محيطه ومجتمعه مثلما يفعل مثله من الرؤساء رغم أنه حكم البلاد في أوج التقاتل الجزائري وفي أحلك الظروف الدموية التي مرت بها البلاد، والتي فقدت فيها كلمة الحق فما بالنا بقرارات إقرار الحق…؟
أول ما تعرفت على السيد “اليامين زروال“ كما كان ينطق باسمه وقتها، كان في الندوة الوطنية عام 1994 بقصر الأمم، تلك الندوة التي عقدت في أوج الأزمة الدموية الجزائرية، والتي كان الغرض من عقدها هو إيجاد حل للفراغ السياسي والتشريعي السائد آنذاك، وكان من نتائجها تعيين السيد “لامين زروال” قائد الجيش المستقيل كرئيس للدولة بعد رفض السيد عبد العزيز بوتفليقة للمنصب لأسباب سيرويها التاريخ لاحقا..؟
كما أفرزت هذه الندوة عن المجلس الوطني الإنتقالي كهيئة تشريعية، في ظل غياب برلمان منتخب نتيجة لتوقيف المسار الانتخابي..
فترة مهما قيل عنها، وعمن تولوا قيادتها، لا يمكننا إلا أن نحييها ونحيي رجالها على شجاعتهم وتضحياتهم من أجل حماية وحدة الوطن واستمرايته، ثم انسحابهم بعد ذلك بشرف، وهو ما يحسب لهم عبر التاريخ الوطني الذي سينصف من صمدوا رغم التحديات والإشاعات والتجاوزات..؟
وإذ نترحم على مجاهد قدم شبابه هدية لتحرير الوطن، ونأسف على فقدان رجل وطني خدم البلاد وتخلى عن السلطة في أوج عطائه، وإنسانية فذة توارت عن الأنظار في صمت وسلاسة لا يملكها إلا رجال عظام نبلاء..؟
أما ما أعجبني مما قرأته من تأبينات، هي تأبينة الكاتب والمفكر الراقي السيد “كريم يونس” الرئيس السابق للمجلس الوطني الشعبي من سنة 2002 إلى 2004، وسيط الجمهورية من مارس 2020 إلى مارس 2021، تحت عنوان” من رحم الجزائر الأصيلة” والتي يقول فيها:
من رحم الجزائر الأصيلة
في اللحظة التي يُوارى فيها جثمان الرئيس اليمين زروال الثرى، في هذا اليوم الأخير من شهر مارس 2026، يستيقظ في داخلي ذلك القرب الذي جمعني بالرجل؛ هو رئيسٌ للجمهورية، وأنا عضوٌ في حكومته سنة 1997. كانت مرحلةً عصيبة عاشتها الجزائر في خضمّ الاضطراب، تحت وطأة ضغوط داخلية وخارجية كادت تعصف باستقرارها.
وقد فرضت تلك الظروف الاستثنائية على كل واحدٍ منا، مهما كان موقعه أو انتماؤه السياسي، أن يُقدّم مصلحة الوطن على كل طموحٍ شخصي أو حسابٍ حزبي.
كان الرئيس زروال حريصًا على السموّ فوق الصراعات الهامشية، متشبثًا باحترام المواطن الذي كان يتطلع إلى جزائر جديدة، متحررة من رواسب الماضي ومن الممارسات الدخيلة.
هذه المعالم، المصوغة بدمٍ يجري في وجدان الجزائريين، شكّلت جوهر هذا الرجل النبيل، وروحه ودافعه… رجلٌ أثبت أنه مناضل كبير كرّس نفسه لوطنه، بعد أن كان أحد الفاعلين الحاسمين في حرب التحرير.
إن رحيله، الذي أبكى فئات واسعة من الشعب الجزائري، يمثّل خسارة وطنية لرجلٍ شجاع، ومناضلٍ مخلص، وخادمٍ كبير للدولة، أفنى عمره في خدمة وطنه بتفانٍ ونكران ذات، محافظًا على القيم الأخلاقية والمبادئ الوطنية التي تربّى عليها.
وإن كان الماضي يستوجب أن يُقال ويُدوَّن بكل ما فيه، فإن المستقبل لا يُستشرف إلا بإرادةٍ جماعية صلبة لاسترجاع الحقوق وصون الحرية… تلك التي ناضل من أجلها فقيد الوطن، ابن الأوراس الأشم. أمّا الحاضر، فواجبه أن نتصوّر ونبني دولةً عصرية وأمّةً قوية.
وستُروى يومًا تلك المواقف والذكريات التي لا تُنسى، والمحفورة في ذاكرة كل من عرفه أو عمل معه خلال تلك السنوات المضرّجة بالدم والنار.
واليوم، يقع على عاتقنا أن نصون ذكراه بالترحّم عليه واستحضار مآثره؛ وذلك أصدق وفاء يمكن أن نقدّمه له.
إن جيلاً جديدًا ينهض اليوم ليتسلّم المشعل، ويعيد توجيه مسار الوطن نحو تلبية متطلبات شرعية جديدة، تستمد وجودها من التنظيم السياسي للمجتمعات المعاصرة، في امتدادٍ متجدد لتلك الشرعية التاريخية التي أرساها الآباء المؤسسون.
وعلى كل واحدٍ منا، في موقع مسؤوليته، أن يسهم في وضع حدٍّ للآفات التي تهدّد استقرار مؤسساتنا. كما أن على وسائل الإعلام أن تضطلع بدورها كاملًا في نقل صوت المواطن، والمساهمة في تطهير الإدارة، وحماية نزاهة من يخدمونها بصدق.
نم قرير العين، سيادة الرئيس، سي اليمين… لقد أديت الأمانة كما ينبغي. وستظل الجزائر تحفظ في ذاكرتها الجماعية تضحيات أبنائها الذين خاضوا معركة الحرية حتى استعادوها.
إن لتاريخ وطننا صفحاتٍ من ذهب، سطرها رجالٌ ونساء من طينةٍ نادرة… بل كانوا هم أنفسهم تلك الصفحات. وكنتَ، سيادة الرئيس، واحدًا منهم كريم يونس.
