الرئيسية مستجدات فرنسا: استغلال الذاكرة للعودة  للجزائر بصمت.. فهل تجاوزت مصالحها عجرفتها المعهودة..؟

فرنسا: استغلال الذاكرة للعودة  للجزائر بصمت.. فهل تجاوزت مصالحها عجرفتها المعهودة..؟

الكاتب نفيسة لحرش
4 دقائق قراءة

تزامن عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر مع زيارة الوزيرة المنتدبة للجيوش الفرنسية إلى موقع مجازر 8 ماي 1945 بمدينة سطيف، ليس صدفة بروتوكولية، بل رؤية ماكرونية تحمل أكثر من رسالة سياسية ورمزية في آن واحد..؟

وهو أن فرنسا تحاول الفصل بين مستويين متوازيين في علاقتها مع الجزائر:

مستوى المصالح الاستراتيجية والدبلوماسية، الذي يفرض عليها التنازل عن عنجهيتها لإعادة قنوات التواصل وعدم ترك القطيعة تتوسع أكثر مما هي عليه.  

ومستوى الذاكرة الاستعمارية، الذي لم يعد ممكنا تجاهله أو التعامل معه بخفة كما في السابق، وإن استطاعت فرنسا إلى حد الآن العمل على تجاهله أو طمسه، فإنها لم تعد تستطع في الوقت نفسه فعل ذلك علنا، فلا الشعب الجزائري ولا الشعب الفرنسي يسمحان بذلك..؟

إن عودة السفير إلى الجزائر بدون الشوشرة المعتادة، تعني عمليًا أن باريس أدركت أن سياسة الضغط أو التوتر المفتوح مع الجزائر لها كلفة سياسية وأمنية واقتصادية، خاصة في ملفات الساحل، والهجرة، والطاقة خاصة بعد حرب الخليج، والتوازنات المتوسطية. وقد شهدت الأشهر الماضية بالفعل محاولات فرنسية لإعادة تفعيل التعاون الأمني والسياسي بعد مرحلة توتر واضحة.  

أما زيارة موقع مجازر 8 ماي 1945، فهي تحمل دلالة مختلفة وأكثر حساسية. لأن هذه المجازر ليست مجرد حدث تاريخي في الوعي الجزائري، بل هي نقطة التحول النفسية والسياسية التي رسخت قناعة أن الاستقلال لا يمكن أن يتحقق إلا بالقوة.  

ولهذا أعتقد أن باريس تحاول إرسال إشارة مزدوجة:

اعتراف ضمني بأن ملف الذاكرة لا يمكن دفنه.. لكن دون الوصول إلى الالاعتذار الكامل الذي ما تزال الدولة الفرنسية تتحاشاه لما يحمله من تبعات قانونية سياسية ورمزية داخل فرنسا نفسها.  

الأهم ربما، أن التوقيت يكشف تحولا في ميزان العلاقة. ففي السابق كانت فرنسا تميل إلى فرض إيقاعها على ملف الذاكرة، أما اليوم فهي تبدو مضطرة لمراعاة الحساسية الجزائرية أكثر من أي وقت مضى، لأن الجزائر لم تعد تتعامل مع الذاكرة كموضوع تاريخي فقط، بل كورقة سيادة وهوية وموقع إقليمي أيضا.

لكن في المقابل، لا ينبغي المبالغة في قراءة الحدث باعتباره “مصالحة تاريخية”. فالعلاقة بين البلدين ما تزال محكومة في رأيي بعدة عقد كبرى وخطيرة:

  • الذاكرة الاستعمارية بكل تشعباتها ومراحلها.  
  • التنافس الجيوسياسي في إفريقيا والمتوسط.  
  • اختلاف سياسي استيراتيجي وأديولوجي في النظرة إلى قضايا الهوية والسيادة والهجرة.  

من هنا يمكن القول: إن ما يحدث الآن هو “إدارة للتوتر” أكثر منه “إنهاء للتوتر”.. وربما الرسالة الأعمق في هذا التزامن هي أن الطرفين قد وصلا إلى قناعة مشتركة وهي أنه: لا يمكن بناء علاقة مستقرة دون الاعتراف بثقل الماضي، لكن أيضا لا يمكن البقاء أسرى له بالكامل.

هل يمثل تاريخ 8 ماي، كل التاريخ وكل الجرائم التي تدين الإستعمار الفرنسي، الذي هو إرث الحكومة الفرنسة الحديثة مهما حاولت التهرب من تداعياته، وهذا جوهر الإشكال أصلًا.
الحقيقة هوإن 8 ماي 1945، برمزيته الضخمة في الذاكرة الجزائرية، لا يمثل سوى جزء من التاريخ الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وليس كل منظومة العنف التي امتدت منذ 1830… لكن التركيز الفرنسي المتكرر على هذا التاريخ بالذات له أسباب سياسية ورمزية واضحة منها:

أنه حدث يمكن عزله نسبيًا كـ“مجزرة” محددة زمنيا.  

أو أنه وقع في لحظة عالمية حساسة وكردة فعل غير مقصودة: باعتباره يوم احتفال أوروبا بانتصارها على النازية، بينما كان الجزائريون يُقتلون لأنهم طالبوا بالحرية الحقيقية، وبذلك فهم قد خرجوا عن ارتباطهم بالحرية الفرنسية حتى وإن كانوا هم من شاركوا في صناعتها.  

كما أنه من الممكن الاعتراف به، لأنه أقل كلفة سياسيًا داخل فرنسا مقارنة بفتح ملفات أوسع مثل: الإبادة الأولى للمقاومات الشعبية في القرن التاسع عشر،  

  • سياسة الأرض المحروقة،  
  • التهجير الجماعي،  
  • التجارب النووية في الصحراء،  
  • التعذيب المنهجي أثناء حرب التحرير،  
  • أو ملف المفقودين والأرشيف..

   بمعنى آخر، أن باريس تميل غالبًا إلى الاعتراف بـ“المأساة” دون الاعتراف الكامل بـ“البنية الاستعمارية” التي أنتجتها.

لكن في الجانب الآخر، الجزائر لا تتعامل مع 8 ماي باعتباره ملفًا منفصلًا، بل تتعامل معه كرمز لمسار كامل من العنف الاستعماري.. وحين يُستحضر هذا التاريخ في الخطاب الجزائري، فهو يستدعي ضمنيًا:  الاحتلال، نزع الأرض، محاولات طمس الهوية، التصفية الجماعية، التعذيب الجماعي..إلخ..

لذلك فإن الموقف الجزائري الذي لم يعد بالإمكان تجاوزه لا سياسيا ولا شعبيا، أصبح محرجا لفرنسا، محدثا تناقضا كبيرا بين خطابها عن حقوق الإنسان وممارساتها الاستعمارية المفضوحة عالميا، والتي لا تريد الاعتراف بها..؟ ومن هنا يظهر الإختلاف العميق بين الروايتين:

في المقاربة الفرنسية الرسمية، هناك ميل إلى التعامل مع الأحداث كـ“تجاوزات” أو كـ“مآسٍ تاريخية” غير مقصودة.  

بينما في المقاربة الجزائرية، القضية تتعلق بطبيعة المشروع الاستعماري نفسه، باعتباره قائمًا على الإقصاء والإستيطان والعنف البنيوي.  

ولهذه المفارقات المتباينة يبقى ملف الذاكرة متوترًا دائمًا، لأن الخلاف ليس فقط حول الوقائع، بل حول معنى تلك الوقائع وكيفية توصيفها وعملية الإعتراف بها:
هل كانت أخطاء؟
أم جرائم دولة؟
أم نظامًا استعماريًا كاملًا قائمًا على الهيمنة والعنف..؟ وطبعا لكل توصيف هناك معالجة قانونية وسياسية مختلفة، ومن هنا نفهم أيضا لماذا تبدو بعض المبادرات الفرنسية “ناقصة” وغير كافية في الوعي الجزائري العام، حتى لو قُدمت في باريس باعتبارها خطوات شجاعة.

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.