الرئيسية مجرد رأي ما الذي تريده المغرب من تسهيل الهجرة إلى سبتة ومليلة الإسبانيتين…؟ 

ما الذي تريده المغرب من تسهيل الهجرة إلى سبتة ومليلة الإسبانيتين…؟ 

الكاتب نفيسة لحرش
6 دقائق قراءة

الزحف على سبتة، هل يعكس حالة إجتماعية إنسانية، ام هو ورقة ضغط سياسية أم هو تحويل الهجرة إلى عنصر الجيوبوليتيك للسيطرة في القرن الحادي والعشرين. إسبانيا تنصب حاجزا عائما في سبتة وتعلن مقتل نحو 70 مهاجرا أثناء محاولتهم العبور من المغرب إلى أوروبا

لقي حوالي المائة مهاجرا على الأقل مصرعهم خلال محاولتهم العبور من المغرب نحو جيبي سبتة ومليلة، وفق ما أعلنه وزير الداخلية الإسباني السبت، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنّ الوضع بات شبه طبيعي. وفق ما كشفت عنه مدريد يوم السبت الماضي. وتعدّ سبتة البالغ عدد سكانها 84 ألف نسمة، إحدى النقطتين الحدوديتين البرّيتين بين أفريقيا وأوروبا، الأكثر تعرضا لظاهرة الهجرة منذ سنوات وتعتبر هذه أكبر عملية تدفق لمهاجرين غير نظاميين إلى سبتة انطلاقا من المغرب منذ العام 2021، عندما وصل حوالي 10 آلاف مهاجر في خضم أزمة دبلوماسية بين البلدين…

“الوضع بات شبه طبيعي”

وقد أعيد إلى المغرب أغلبية المهاجرين أي ما يقارب 48 ألف شخص بحسب البيانات الرسمية، الذين كانوا قد توافدوا في الأيام الأخيرة إلى جيب سبتة، وفق السلطات الإسبانية التي انهالت عليها الانتقادات من دول أخرى في الإتحاد الأوروبي حيث تكتسي مسألة الهجرة طابعا شديد الحساسية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّ الوضع “بات شبه طبيعي”… ؟

“الجميع يريد الذهاب إلى إسبانيا”

وحسب تصريحات النازحين، فإن هدف الوصول إلى سبتة بعدما سباحة “ثلاث أو خمس دقائق”، إنما بأمل الذهاب إلى على بعد مئات الكيلومترات إسبانيا شمالا، كما أشاروا إلى أن هذا التوافد الكثيف يكشف أن “الجميع يريد الذهاب (إلى إسبانيا) أملا بمستقبل أفضل لا أمل فيه بالمغرب”..؟ منذ مطلع الأسبوع، وصل المهاجرون وغالبيتهم الكبرى من الشبان والفتيان المغاربة، الذين قدّرهم رئيس الحكومة المحلية في سبتة “خوان خيسوس فيفاس”  بنحو 60 ألفا، في حين تقديرات أخرى بـ (50 ألفا إلى إسبانيا عبر البرّ والبحر حسب وزارة الداخلية الإسبانية) ,,؟ ولمنع المهاجرين من اجتياز الحدود بين المغرب وسبتة سباحة، أقيم حاجز مطاطي يمتدّ على 500 متر في البحر المتوسط، وفق ما كشفه وزير الداخلية الإسباني.. هذا، ومع انتشار المشاهد المتداولة عن تدفّق المهاجرين إلى سبتة، رفع اليمين الأوروبي المتطرّف صوته عاليا للمطالبة بتشديد التدابير الأمنية على حدود فضاء شنغن.

“هجوم وانتهاك لوحدة وسلامة أراضي إسبانيا”

من جانبه، قام رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز“ بزيارة تفقّدية إلى سبتة الجمعة الماضي برفقة وزير الداخلية، ندّد خلالها بما سماه”هجوم وانتهاك لوحدة وسلامة أراضي إسبانيا”، متهما “مافيات” بالوقوف وراء شائعات حول فتح الحدود بين المغرب وإسبانيا. وفي منشور على إكس، قال سانشيز الذي تعتمد حكومته نهجا منفتحا في مجال الهجرة خلافا لعدّة دول أوروبية أخرى:”ليس هذا وقت الانقسام، بل وقت مواصلة بناء اتحاد أوروبي قويّ ومتّحد”. هذا، وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت سابقا عن خطة واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين تلقّت في إطارها 1,2 مليون طلب. وندّد سانشيز السبت في رسالة رسمية بالموقف “الأناني” لبعض بلدان الاتحاد الأوروبي، مطالبا بعقد اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء داخلية الدول الأعضاء.  

ما التفسير الحقيقي لهذه الظاهرة..؟

أعتقد أن تفسيرها هذه الظاهرة بعامل واحد سيكون تفسيرا قاصرًا. لأنها تقع عند تقاطع عدة مستويات: العامل الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، والأمني.

أولًا: العامل الاقتصادي والاجتماعي

     وهو الأكثر وضوحًا، حيث لا يمكن تجاهل أن شمال المغرب يعاني منذ سنوات من ارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب: اتساع الاقتصاد غير الرسمي بعد تراجع التجارة المعيشية المرتبطة بسبتة ومليلية، والذي يتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بفرص العمل. وهو ما يمثله اقتناع شريحة كبيرة من الشباب بأن الهجرة، مهما كانت خطورتها، أصبحت الطريق الوحيد لتحسين أوضاعهم.  

ثانيًا: البعد السياسي

الهجرة إلى سبتة ليست مجرد قضية إنسانية، لأن سبتة نفسها منطقة ذات حساسية سياسية كبيرة بين المغرب وإسبانيا.. ولهذا فإن أي تدفق جماعي نحو المدينة يضع الحكومة الإسبانية تحت ضغط مباشر: إنساني، أمني، وإعلامي، خاصة وقد شهدنا هذه الظاهرة في سنوات سابقة، خاصة في أزمة 2021، كيف تحولت الهجرة خلال أيام قليلة إلى أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد، وهو ما جعل كثيرًا من الباحثين يعتبرون أن إدارة الحدود قد تصبح أحيانًا إحدى أدوات الضغط السياسي المتبادل، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل موجة هجرة تكون مخططة سياسيًا.

ثالثًا: هل توجد خلفيات مخابراتية؟ وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث احتمالات

فرضية التنظيم المباشر للموجة: لا توجد حتى الآن أدلة علنية موثقة تثبت أن أجهزة الدولة المغربية قامت بتنظيم الموجة الأخيرة أو دفعت الناس إليها بصورة مباشرة، لكن فرضية التساهل الأمني المؤقت، وهي فرضية يناقشها بعض الباحثين أكثر من فرضية “التنظيم”. فحين تُخفَّف الرقابة الحدودية لفترة محدودة، قد يتدفق عدد كبير من المهاجرين. وقد يكون ذلك نتيجة قرار سياسي، أو قصور ميداني، أو سوء تقدير، ولا يمكن الجزم بسببه من دون أدلة، إلا ما كان قد شوهد من تواطؤ أمني ظاهر للعيان

فرضية استغلال الحدث سياسيًا بعد وقوعه: وهذا يحدث كثيرًا في العلاقات الدولية؛ فقد تستثمر الحكومات الأزمة لإرسال رسائل للطرف الآخر أو لتحسين موقعها التفاوضي في ملفات أخرى مثل: التعاون الأمني، الهجرة، التمويل الأوروبي، والاتفاقيات التجارية.  

رابعًا: البعد الأوروبي

من مصلحة الاتحاد الأوروبي أن يبقى المغرب شريكًا رئيسيًا في ضبط الهجرة غير النظامية، ولذلك يقدم دعمًا ماليًا وتقنيًا كبيرًا في هذا المجال.. ومن ثمة فإن أية موجة كبيرة تذكر أوروبا بأن استقرار المغرب، وتعاونه الأمني، عنصر أساسي في سياسة الهجرة الأوروبية.

ومن هنا فإن ترتيب العوامل من حيث الوزن يأتي كالتالي

الأزمة الاقتصادية والاجتماعية: العامل الأساسي الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة.  

الحسابات السياسية: قد تؤثر في طريقة إدارة الحدود أو التعامل مع الأزمة.  

العامل الأمني والاستخباراتي: لا يجوز استبعاده تمامًا، لكن لا توجد أدلة منشورة تسمح بالقول إنه السبب الرئيس للموجة الأخيرة.  

لذلك، فإن التفسير الأكثر اتزانًا هو أن الظاهرة اقتصادية في جذورها، لكنها تتحول بسرعة إلى ورقة سياسية وأمنية بسبب الموقع الاستثنائي لسبتة والعلاقات الحساسة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.

 ومن هنا فإن إلى القراءة الجيوسياسية للأحداث تطرح علينا السؤال الأكثر عمقًا لماذا هاجر هؤلاء؟ بل من استفاد سياسيًا من هذه الموجة، وكيف غيّرت موازين التفاوض بين الرباط ومدريد وبروكسل؟ وهذا التساؤل قد يفتح بابًا لتحليل أوسع يتجاوز الحدث نفسه إلى ديناميات القوة في غرب البحر المتوسط.

    إذا كانت الفيديوهات المنتشرة أصلية وغير مجتزأة، وإذا ثبت أنها تُظهر بالفعل عناصر أمن وهم ينقلون مجموعات من الأشخاص أو يوجهونهم نحو الطرق المؤدية إلى الساحل، وإذا تطابقت مع شهادات متكررة من مهاجرين، فإنها ترتقي إلى مستوى القرائن الجدية التي تستوجب التحقيق والتحليل. وقد نقلت وسائل إعلام دولية شهادات لمهاجرين قالوا إن عناصر من السلطات المغربية أشارت لهم إلى الطريق المؤدي إلى سبتة أو لم تمنعهم في البداية، بينما تحدثت تقارير أخرى عن تراخٍ أولي في الرقابة، في حين نفت الرباط وجود دوافع سياسية.  

ولهذا فإن الباحث الجاد لا يرفض الفيديوهات ولا يقبلها بوصفها حسمًا نهائيًا، بل يضعها ضمن منظومة أدلة شاملة، ويكفي تكرار الأدلة، وأيضا تكرار الممارسة والتي ثبتت سابقا وبالأخص في الزحف على الصحراء الغربية في السبعينات.  ومن هنا فإذا ما حاولنا النظر إلى المشهد ككل فسنجد تزامنًا بين: الجدل الأوروبي حول الاتفاقات التجارية ومنتجات الصحراء الغربية، الأهمية المتزايدة للمضائق والمعابر البحرية في ظل التنافس الجيوسياسي، حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تعاون المغرب في ملف الهجرة وحدوث موجة هجرة غير مسبوقة.. هذا التزامن لا يثبت وحده وجود عملية ضغط مدبرة، لكنه يجعل فرضية استخدام ورقة الهجرة في التفاوض فرضية تستحق الدراسة بجدية، لأنها تتوفر على سوابق في العلاقات الدولية، بما في ذلك العلاقة بين الرباط ومدريد خلال أزمة سبتة عام 2021، حيث ربط كثير من المحللين بين التوتر الدبلوماسي آنذاك والتغير المفاجئ في إدارة الحدود، والذي ينطلق من  

التأثير في الموقف الأوروبي من الصحراء الغربية؟  

التذكير بأن أمن الحدود الأوروبية يعتمد فيها على التعاون المغربي؟  

تعزيز الموقع التفاوضي للمغرب في ملفات أخرى؟  

بالإضافة إلى تداخل بين أزمة اجتماعية حقيقية واستثمار سياسي لاحق؟  

في النهاية فإن مرتجعات هذه الواقعة قد خلفت كثيرا من الأصداء أهمها: التناول المكثف من طرف  الصحافة العالمية التي لم تعتبرها  قط مسألة عبور لشبات يعاني من الحرمان والتهميش في وطنه. وكذا القراءات الإستخباراتية، التي ركزت على التراخي الإسباني من خلال المعاملة الإنسانية بما فيها من قوانين إيجابية في معاملة المهاجرين، وسياسة التهدئة تجاه المخزن، بالإضافة إلى التحولات العالمية، باعتبار الهجرة نموذجا لتحولات النظام الدولي، أو ما يعرف بالحروب الهجينة والصراعات غير المتكافئة 

مقالات ذات صلة

اضافة تعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy

Adblock تم اكتشاف مانع الإعلانات

يرجى دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlocker في متصفحك لموقعنا.